القفقاس ابداع

الهدف من المنتدى التعريف بشعوب القوقاز وتواصلها مع الشعوب الشرقية كما يساهم في تواصل الشباب والشابات وزيادة معرفتهم بالعائلات الشيشانية والداغستانية والشركسية ويعرض آخر أخبار الوطن والعالم ويعطي مجال واسع للشباب والشابات في طرح أفكارهم وآرائهم

بعد تفجيرات موسكو وقطار داغستان وانغوشيا روسيا تنتضر المزيد واستنفار هائل لقوة الامن الروسية

المواضيع الأخيرة

» صور من تصميماتي
الجمعة فبراير 28, 2014 12:40 pm من طرف zaid varouqa

» الوطن-في-أدب-الشراكسة-العربي-والمعرب-د.-إيمان-بقاعي
الجمعة فبراير 28, 2014 12:35 pm من طرف zaid varouqa

»  القاموس الشركسي جديد
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:22 pm من طرف zaid varouqa

» تشيركيسك
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:18 pm من طرف zaid varouqa

» قدماء الأديغة
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:16 pm من طرف zaid varouqa

» جهاد واستشهاد شركسي ضد الاحتلال الفرنسي لسوريا
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:15 pm من طرف zaid varouqa

» عيد الدغاغازة
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:14 pm من طرف zaid varouqa

» الشاعر عادل بيرسنق الشيشاني
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:13 pm من طرف zaid varouqa

»  اكتشافات أثرية في جبال شمال القوقاز
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:11 pm من طرف zaid varouqa


    رواية عودة الذئب الحلقة الرابعة

    شاطر
    avatar
    الذئب الوحيد

    الحمل
    عدد المساهمات : 20
    نقاط : 61
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010
    الموقع : مصر

    رواية عودة الذئب الحلقة الرابعة

    مُساهمة من طرف الذئب الوحيد في الخميس فبراير 04, 2010 7:05 pm

    فتح باب السياره ببطء بعد أن أمره قائد المجاهدين ونزل منها مشبكا يديه فوق رأسه ورأى مجموعه كبيره من المجاهدين وهم يطوقون السياره من كل مكان
    فى طريق العوده الى المعسكر كان عمر يتعجب من نفسه ويتساءل عن السبب الحقيقى الذى جعله يختار جانب المجاهدين الشيشان دون الروس رغم تأكده من فرق القوه الهائل لصالح الروس الذى سوف يمكنهم من الإنتصار لا محاله
    لماذا رفض البقاء فى المعسكر الروسى رغم أنه كان أكثر أمانا بالنسبة له؟ كيف حسم أمره بمثل هذه السرعه وقرر أن يهرب ويعود للمجاهدين برغم خوفه من أن يتهموه بالخيانه ؟
    هل هو مالك؟أم زهره ؟ أم محمد ؟ هل يصدق حقا أنه ينتمى اليهم؟


    لأول مره فى حياته يشعر عمر بكل هذا الخزى والخجل وذلك عندما استدعاه قائد المعسكر الى مكتبه وهناك وجد مالك الذى ما ان رآه حتى أدار وجهه بغضب واشمئزاز
    وقف الإثنان أمام قائد المعسكر الذى وجه حديثه الغاضب اليهما معا وقال : ما الذى دفعكما لمغادرة المعسكر ليلا دون اذن ؟
    أجاب مالك بسرعه : أردنا جمع الحطب لنشعل النار لنتدفأ بها فالجو كان شديد البروده
    القائد بصرامه : وكيف وصلتما الى الحدود الداغستانيه؟
    مالك : لقد ضللنا الطريق وافترقنا عن بعضنا بسبب الظلام وقضيت وقتا طويلا فى البحث عن عمر فلم يكن باستطاعتى العوده للمعسكر بدونه وأنا أعلم جيدا أنه يجهل دروب وجبال هذه البلاد وعندما طلعت الشمس رأيتهم من فوق الجبل وهم يأسرونه ويأخذونه فى سيارتهم الى المعسكر.فعدت وابلغت القياده فى الحال اقترب القائد من عمر وقال بغضب : وأنت . أتعلم كم تكبدنا من مشقه ورجال وذخيره لننقذك من أيديهم ؟. لقد أرسلنا كتيبه كامله بمدافعها فى محاوله لاقتحام المعسكرلإنقاذك
    ابتلع عمر ريقه بمزيج من الخجل والندم وقال بأسف : آ.آسفسيدى . مش هاكررها تانى
    القائد : لا تعتذر . فابن خالد ديساروف يستحق أكثر من هذا
    نظر اليه عمر بدهشه وصمت فابتسم القائد وقال : لا عجب انك ابنه فقد عدت الينا بسياره مملوءه عن آخرها بالأسلحه والذخيره . أغلب من فى المعسكر الآن يعتبرك بطل
    نظر اليه عمر بذهول شديد . لقد عرف الآن فقط ماذا كان يحمل فى السياره التى كان يقودها. وحمد الله كثيرا وهو يتذكر عدد المرات التى نجا فيها هو والسياره من الإنفجار . نظر الى مالك الذى خلا وجهه تماما من ابتسامته المميزه المحببه للنفس
    لم يشعر عمر فى حياته بالخجل أمام أى انسان بقدر ما شعر به فى هذه اللحظه أمام مالك
    قطع أفكاره صوت القائد وهو يقول : ان ما يحيرنى حقا هو كيف أفلت بسيارتك من الكمين الذى أعددناه للسيارات الأربع التى خرجت من المعسكر؟
    أتعلم أنك تذكرنى بوالدك رحمه الله ؟
    يوما ما سأحكى لك عنه وعن بطولاته
    تجاهل القائد الحيره والدهشه فى عينى عمر وقال : ولكن كل هذا لن يعفيك من العقاب على مخالفتك للأوامر وخروجك من المعسكر ليلا بدون تصريح .
    التفت الى مالك وقال : وانت ايضا ستعاقب معه . والآن انصرفا
    استدار عمر مغادرا مكتب القائد هو ومالك عندما استوقفه القائد قائلا : عمر . أظن أنك مدين لمالك بالشكر .. فلولاه ما عرفنا طريقك
    هز عمر رأسه بخجل ونظر الى مالك الذى انصرف مغادرا فى صمت دون أن ينظر اليه
    قضى عمر فترة التأديب محاولا بكل وسيله استرضاء مالك ومصالحته . لكن مالك كان غاضبا بشده وكان يعبر عن غضبه بالصمت لدرجة أنه كف حتى عن الغناء وكاد عمر أن يفقد عقله أمام اصرار مالك على الصمت
    وانتهت فترة التأديب وعاد الإثنان الى الخيمه لينالا قسطا من الراحه وعاد عمر الى استجداءه والتوسل اليه أن يسامحه حتى كلمه مالك أخيرا وسأله بغضب : هل وجدت ما كنت تبحث عنه؟ لماذا لم تبقى فى أحضانهم ربما أعادوك الى مصر؟
    عمر بأسف : مقدرتش أصدقهم, ولا أآمن لهم
    مالك بسخريه شديده : حقا؟ وكيف اكتشفت ذلك الإكتشاف الخطير؟
    عمر : أنا ماباآمنش للى بيلعبوا قمار
    مالك بسخريه لاذعه : انظر من يقول هذا ؟ كيف لا تثق بهم وانت تلعب الورق؟
    أكمل بضيق شديد : لا أدرى كيف يقول القائد أنك تذكره بوالدك رحمه الله !
    عمر بندم شديد : أيوه ما بآمنش للى بيلعبوا قمار ..لأنهم زيى, مايتآمنلهمش
    صمت مالك ولم يدرى ماذا يقول الا أن حدة غضبه بدأت تهدأ عندما استشعر صدق عمر وندمه فهز رأسه بأسف
    وأكمل عمر : أنا هربت منهم مع انهم كانوا بيعاملونى كويس وأكلونى و....
    قاطعه مالك بحده : وأطلقوا عليك فتياتهم الجميلات ليستخرجوا منك ما يريدون .... سمعت هذه القصه من كل من وقع فى الأسر .. هذا فى اليوم الأول فقط وبعدها....


    صمت قليلا ثم قال بسخريه : لماذا لم تبقى معهم لتكتشف بنفسك؟
    تنهد بأسف وقال : لقد كنت أعتبرك صديقى
    أطرق عمر بأسف شديد وقال بخجل : كان لازم تعرف من الأول انى مينفعش أبقى صاحبك أنا . أنا مدمن قمار
    نظر اليه مالك بصمت واختفى الغضب من وجهه ثم قال بتعاطف : لا شك أنك عشت حياة صعبه
    عمر بسخريه مريره : صعبه؟ بأنهى لغه؟ بلغة البلد اللى جيت منها . ولا بلغة البلد دى؟ بيتهيألى الفرق كبير قوى
    صمت مالك قليلا ثم نظر اليه وقد عادت ابتسامته الجميله تضئ وجهه البشوش وقال له بحب : ولكنى مازلت أعتبرك صديقى . يمكننا أن نصبح أصدقاء مثل أبوك وأبى . لقد كانت صداقتهما عجيبه حقا
    استدار اليه بكل جسده و قال بحماس كبير : أتعلم .. كنت أحلم دوما أن يكون لى صديق أحبه أكثر من أى شئ وتبقى صداقتنا حيه مدى الحياه وحتى ما بعد الموت ألم تسمع حديث النبى صلى الله عليه وسلم أن الأخلاء المتحابين فى الله من الذين يظلهم الله بظله ؟ اسمع .. لقد قررت أن أجعلك شريكا لى فى شركة الهندسه التى أحلم بها وسنبقى أصدقاء دائما مثل والدينا ..لقد تعاهدا على الوفاء والإخلاص وأقسما أن يسمى كل منهما أول مولود ذكر له باسم صديقه ويتـ .........
    صمت مالك فجأه . أسكتته النظره التى رآها فى عينى عمر وتغير لون وجهه
    ضاقت عينا عمر وقال بصوت ظهر فيه بوضوح أثر الصدمه : بس أنا ما اسميش محمد
    ابتلع مالك ريقه بصعوبه ولم يستطع الرد
    أفاق عمر فجأه على حقيقه تاهت عن باله طويلا أو ربما تعمد نسيانها , لقد كانت له عائله. أب وأم واخوه وربما أخوات
    أطرق برأسه طويلا يفكر فى صمت . ثم سأل مالك بصوت حزين : كان عندى اخوات قد ايه؟
    أدرك مالك ما فعلته كلماته بعمر كما أدرك تماما أنه لن يستطيع أن يعيد الأمور الى ما كانت عليه فقال مباشرة وصوته يقطر بالأسف : ثلاثه
    ضحك عمر ضحكه ساخره قصيره تمتلئ ألما ومراره وهو يقول : ورابعهم كلبهم....
    همهفين دلوقتى؟
    مالك بأسى : دفنهم أبى فى مقابر أسرتنا
    اتسعت عينا عمر وفغر فاه وقال بذهول: أبوك !! أبوك دفن صاحبه وأخته وأولادهم؟
    نهض عمر ببطء وهو لا يكاد يصدق وخرج من الخيمه , وحاول مالك أن يتبعه لكنه أوقفه بصوت يمتلئ بالدموع ودون أن يلتفت: عاوز أمشى لوحدى
    سار عمر لمده طويله وهو لا يكاد يتبين طريقه من كثرة الدموع التى ملأت عينيه وتحولت الى أنهار تجرى على خديه تؤججها النيران التى اشتعلت فى قلبه
    لقد صدق أخيرا أنه كانت لديه أسره كامله أب وأم وإخوه وربما أخت جميله كزهره . لو لم يذبحوا ربما كان قد اختلف كل شئ
    وربما أصبح مثل مالك وزهره يتنعم فى ظل أسره جميله تحبه وترعاه وتعلمه .وتحميه من طيشه وجنونه
    لم يدرى عمر كم من الوقت قضاه يبكى وحيدا فى البرد بقلب يملؤه الحزن والندم والألم ولم يخرجه مما هو فيه الا يد مالك التى أطرقت على كتفه بحب وصوته المملوء بالحنان وهو يقول : عمر . هون عليك يا صديقى فقد انقضت أعوام طويله ..لقد أتى الليل وازداد الجو بروده هيا بنا يا صديقى لنعود الى الخيمه
    استلقى عمر على فراشه ووضع كفيه المتشابكتين أسفل رأسه. لكنه لم يستطع النوم . بل ظل يفكر فى أهله ثم التفت الى مالك المستلقى على الفراش المجاور له وسأله : مالك . شكلها ايه؟
    مالك بتساؤل : من؟
    عمر بشرود : أمى
    التفت اليه مالك وقال : ألم يريك أبى صورتها؟
    عمر بخجل : ماسألتهوش
    مالك : عندما نعود الى البيت سأريك صورتها . أتعلم ان زهره تشبهها كثيرا
    التفت اليه عمر بدهشه واهتمام : زهره!!!..
    عاد يحدق فى سقف الخيمه وهو يقول بشرود : قد كده كانت أمى جميله ؟هى ما......
    قطع حديثه عندما شق هدوء الليل صوت يشبه موتور سياره نقل فى الصيانه نهض من فراشه وأخذ يتبين هذا الصوت لقد كان صوت شخير قوى يصم الآذان
    نهض مالك من فراشه بضيق واقترب من عمر الذى وقف بدوره ينظر باتجاه مصدر الشخير ثم نظر الإثنان الى بعضهما البعض فى صمت


    فجر اليوم التالى ...........
    لم يستيقظ المعسكر على صوت أذان الفجر كما تعودوا . بل على صوت صراخ أجش أشبه بصوت طائره حربيه
    تجمع كل الشباب فى ساحة المعسكر وهبطت عليهم الدهشه والذهول عندما رأوا حمدوف المارد الذى طرد مالك وعمر من الخيمه فى أول يوم لهما فى المعسكر مقيدا فى شجره كبيره بطريقه عجيبه
    كان حمدوف ملفوف بعنايه فى أغطيته ومقيد فى سريره بكميه كثيفه من الحبال التفت حول السرير من أعلاه الى أسفله بحيث لا يظهر منها سوى رأس حمدوف فقط..أما السرير نفسه فقد كان يقف بشكل رأسى ومثبت بالحبال فى جذع شجره كبيره
    لم يستطع الشباب كبح جماح الضحك الذى انتشر بينهم وهم يتعجبون ممن استطاع أن يفعل ذلك بحمدوف العملاق .أما حمدوف فقد ازداد غضبه وأخذ يصرخ بصوت جهورى ويتوعد بالإنتقام
    وأخيرا استطاع قائد المعسكر اسكاته عندما أقنعه بأنه لن يفك قيده الا اذا تعهد بعدم اثارة المشاكل أو ايذاء أى فرد فى المعسكر
    وبالفعل فك وثاقه بعد أن هدأ ثم رحل متجها الى مكتبه لكنه توقف قليلا فى الطريق أمام عمر ومالك ونظر اليهما نظره ذات مغذى وابتسم

    كان هذا المعسكر معد خصيصا لمجموعه كبيره من شباب الشيشان المتقاربين فى العمر وليس لديهم خبره سابقه فى القتال أو الحرب
    وكان يقوم بتدريبهم مجموعه من أمهر المجاهدين الشيشانيين والعرب الذين ساهموا بدور كبيرفى تحريرالشيشان وعملوا فى تدريب الشيشانيين على كل من الأمور العسكريه القتاليه والمعلومات الإسلاميه
    كانت الحياه فى المعسكر شاقه للغايه وكانت التدريبات مقننه وجاده ومتقنه ومتعدده ...تدريبات بدنيه وتدريبات على الأسلحه المختلفه واطلاق النار وفنون القتال المختلفه
    ويتخلل اليوم محاضرات ودروس دينيه لتقوية الإيمان والترغيب فى الشهاده وحب الوطن ودروس فى التاريخ الإسلامى وقصص السابقين والسيره النبويه
    وحلقات لتعليم اللغة العربيه لمن لا يعرفونها
    أما الصلاه فقد كان لها عنايه خاصه فى برنامج المعسكر ...فقد كانت تقام فى جماعه على وقتها وكان الدعاء والقنوت فى كل صلاه والتشجيع على قيام الليل واقامة مسابقات فى حفظ وتفسير القرآن الكريم
    واستطاع عمر بمساعدة صديقه مالك أن يتحمل تلك الحياه الشاقه التى لم يعتاد عليها ولم يعش مثلها أبدا
    وكان عمر ومالك يتفننان فى اختراع المقالب والأفاعيل المضحكه ويوقعان فيها حمدوف العملاق الذى لم يستطع ابدا اكتشاف الشخص الذى يوقعه فى المشاكل
    وشيئا فشيئا نمت صداقه متينه بين حمدوف وبين مالك وعمر فلقد اكتشفا أنه برغم جسده الضخم وسرعة غضبه المخيفه الا أنه يمتلك قلب طفل صغير يمتلئ بالطيبه والسذاجه واستطاع مالك وعمر الثأثير عليه وترويض سرعة غضبه بالحب ولم يعد حمدوف يستطيع الإبتعاد عنهما فكان الثلاثه يقضون كل أوقاتهم معا

    كان مالك يرتدى ملابسه العسكريه ويجهز سلاحه ويستعد للخروج والإنضمام لمجموعه من الشباب لتنفيذ أحد الأوامر التى كلفهم بها قائد المعسكر
    سأله عمر الذى كان مستلقى على فراشه بعد أن انتهت نوبة حراسته : قائد المعسكر عربى ..مش كده؟
    مالك بحماس وهو يعد سلاحه : انه أحد أتباع القائد خطاب رحمه الله. الذى كان قائدا لكتيبة الأنصار.. كتيبة المجاهدين الأجانب فى القوقاز
    عمر بتساؤل: ومين خطاب ده؟
    مالك بدهشه : ألم تسمع عنه أبدا ؟
    عمر : سمعت عنه بس بسأل مين هو ؟؟
    مالك : انه أحد المجاهدين العرب الذين خرجوا من بلادهم للجهاد ضد الروس وكونوا كتيبه تسمى كتيبة الأنصار. لكنه أروعهم على الإطلاق فهو جسور لا يعرف الخوف . حارب الروس فى أفغانستان وطاجيكستان وهنا . انه بطل . أسطوره . كبد الروس خسائر فادحه ..سأكمل لك قصته عندما أعود ....
    انطلق مالك يجرى ليلحق بزملاءه فى المهمه
    وخرج عمر من الخيمه متمهلا وأخذ ينظر الى مالك وهو يبتعد مسرعا ثم تنهد وقال : العالم مليان بالمجانين
    قد يحتاج الإنسان لبعض الجنون حتى يستطيع أن يتواءم مع هذه الحياه
    التفت عمر بحده نحو المتكلم فوجد أمامه قائد المعسكر يبتسم ظهر عليه الإرتباك الشديد لكن القائد اقترب منه وبادره بالسؤال : انت فى فترة الراحه الآن؟
    هز عمر رأسه موافقا بحذر
    فقال القائد : من مصر ..أليس كذلك؟؟
    قال : أيوه
    فقال القائد بابتسامه كبيره : أتعلم ماذا قال النبى صلى الله عليه وسلم عن بلادك؟
    هز عمر رأسه بالنفى ولم يتكلم
    القائد: قال عنها أن أهلها هم خير أجناد الأرض
    عمر يسأله : أنت من تلامذة القائد خطاب؟
    القائد وهو يسير بجواره وكأنه صديقه : أنا من كتيبة الأنصار .
    أخبرنى بصدق . من كنت تقصد بالمجانين ؟ أنا لم أتعمد أن أستمع اليكما , لكن صوتك كان عال
    قال بتردد وهو يسير بجواره : أنا بس كنت بستغرب . ازاى راجل يسيببلده وأهله وفلوسه,علشان يروح أرض مايعرفهاش, ويحارب علشان يحرر وطن مش وطنه, وكل ده وبدون مقابل, ومن غير ما حد ما يطلب منه ده!
    ضحك الرجل وقال : سأقول لك سر لا تخبر أحدا به .أنا أيضا كنت أظنه مجنونا . لماذا يفعل هذا . وكيف يفكر .. و كنت أسأل نفسى كثيرا ماذا تعنى كلمة وطن؟ هل هى الأرض التى نولد فيها أم التى نعيش عليها أم التى نموت وندفن فيها؟
    أتعلم .. ربما يكون الوطن أكبر بكثير مما نظن أو حتى مما تستطيع عقولنا الضيقه أن تدركه...
    اهتم لنفسك ..ولا تنسى أبدا أنك من خير أجناد الأرض
    توقف عمر عن السير والتفت اليه بدهشه كبيره وعقد حاجبيه بتساؤل وهم أن يقول شيئا
    لكن القائد تركه ورحل مسرعا وظل عمر واقف يحدق فى الطريق الذى ذهب منه وفى عقله أسئله كثيره



    يوم بعد يوم كان عمر يشعر بأن شيئا ما بداخله يتغير ..شئ كبير للغايه
    لقد كف عن الشكوى واعتاد البروده القارصه واندمج وسط شباب المجاهدين وأصبح لديه أصدقاء كثيرين
    وكانت من أمتع اللحظات بالنسبة اليه عندما يعد هو ومالك المقالب المدبره المتقنه لأحد أصدقائهم فى المعسكر لإشاعة البهجه والمرح فى أرجاء المعسكروكثيرا ما وقعا فى المشاكل بسبب تصرفاتهما الطائشه وتعرضا للتوبيخ والتأديب من قائد المعسكر
    كان مالك وعمر يقومان بجمع الحطب والأخشاب من التلال القريبه من المعسكر وكان مالك يغنى أغنيته الوحيده :
    في ليلة مولد الذئب خرجنا إلي الدنـــــيا


    وعند زئير الأسد في الصباح سمونا بأسمائــنا
    زفر عمر بضجر شديد وقال بتأفف وهو يجمع الأخشاب: ياساتر, دانت ممل,
    يا أخى خنقتنى.هو انت معندكش غيرها؟
    من ساعة ما عرفتك وعمرى ماسمعتك بتغنى الا الأغنيه السكه دى..
    ضحك مالك وقال : انها النشيد الوطنى لبلادنا
    نظر اليه عمر بدهشه وهز رأسه بعجب : دانت تغيظ, نفسى أسمعك بتغنى أغنيه تانيه
    جلس الى صخرة كبيرة وهو يقول : ماتغنى عن الحب..عن الجمال ..جدد
    مالك بمرح وهو يحمل كومه من الحطب: عمر ..ألم تفكر يوما فى الزواج؟
    عمر بلامبالاه : مين ؟ ..أنا !! أنا مابفكرش..أنا عايش حياتى زى ماهيه ..تمشى زى ماتمشى, يوم بيوم
    مالك بدهشه كبيره : ماذا ؟ ألم تحلم يوما أن يكون لك بيت خاص بك وزوجه جميله وأطفال يشاكسونك؟ أليس لك أى أحلام؟
    عمر : أنا مابفكرش بطريقتك دى ..أنت عايش كل حياتك فى الأحلام
    مالك بتفاؤل : و سوف احقق كل احلامى ان شاء الله
    سيكون لى شركة هندسيه كبيره وستكون شريكى كما اتفقنا وسأتزوج وأنجب أطفالا ..
    وتنازلا منى سأمنحك شرفا خاصا ..سأسمى أول أبنائى باسمك
    أتعلم أننى أحلم أن تكون فتاة أحلامى تماما كزهره
    التفت عمراليه وقال بدهشه : زهره !!!
    مالك : نعم ..زهرة أختى ..ليس من الضرورى أن تشبهها فى الملامح ولكنى أتمنى أن تكون بنفس أخلاقها وصفاتها
    وأنت..بم تحلم؟
    عمر بضجر : يابنى ماقلت لك انا مبحلمش, أنا صاحى على طول
    تأمله مالك بدهشة كبيرة وهو يقول : وهل يستطيع الإنسان أن يعيش دون حلم خاص به, هدف يسعى لتحقيقه, قضية يدافع عنها ويموت فى سبيلها؟
    ظل عمر واقفا فى مكانه يتأمله بدهشة, يفتش بداخله عن كلمات يقولها فلا يجد
    تبدلت ملامحه فجأة, وعقد حاجبيه بشده وظهر فى وجهه الذعر وهو يقول : شش
    سامع اللى أنا سامعه
    مالك ينصت باهتمام ويلقى مابيديه من أخشاب ثم يجرى باتجاهه وهو يقول بخوف : اختبئ
    انطلقا يجريان وهما يجران العربه التى تحمل الأخشاب ليخفوها عن الأعين وصعدا فوق تلة قريبه واختبئا جيدا وأخذا ينظران من موقعهما فوق التله فوجدا سيارة عسكريه صغيره مكشوفه تحمل خمسه من الجنود الروس قادمه من بعيد وتقترب باتجاههما
    همس مالك : يبدو أنها دورية استطلاع اخترقت الحدود
    عمر بخوف : هانفضل مستخبيين لحد ماتمر, وبعدها نرجع المعسكر
    ظل الإثنان يراقبان السياره وهى تقترب . ثم التفت عمر بحده الى مالك عندما سمع صوت مدفعه يجهز للإطلاق فقال له بصوت خفيض : انتاتجننت ؟بتعمل ايه؟ مش لازم يحسوا بينا
    ضاقت عينا مالك وارتسمت على وجهه ابتسامه أشبه بابتسامة صياد يهم باصطياد فريسه وقال بثقه : انهم فقط خمسه..هيا جهز سلاحك واستعد
    عمر بحده وبصوت خافت حتى لا يسمعونه : ايه ؟ أنا عمرى فى حياتى ماقتلت حد
    مالك وعيناه تشعان ببريق مخيف : ولا أنا ..ولكن هذا لا يهم ..يكفى أن تتذكر ما فعلوه بأسرتك وستجد السلاح ينطلق وحده
    عمر باصرار : لا ..هانرجع المعسكر ونقول للقائد وهو يتصرف
    اتسعت ابتسامة مالك واشتد بريق عينيه لمعانا وهو يقول : لا داعى لكل هذا ..نستطيع مفاجأتهم واصطيادهم بسهوله
    عمر بذعر : مالك ..اياك تعمل حاجه والا هابلغ القائد ..سيبهم يمشوا ولما نرجع المعسكر يحلها ربنا
    بدا على مالك وكأنه لم يسمع ما قاله عمر وأخذ يصوب مدفعه جيدا واقتربت سبابته من الزناد وهو يبتسم
    واتسعت عينا عمر برعب

    نزع الذئب نظارته المعظمه من على عينيه وهو يقول بغضب : انهم يحاصرون القائد حكيم ومن معه
    جوهر : مرت ثمانى ساعات والوضع كما هو لا يتغير
    الروس يحاصرونهم والقائد حكيم يرفض الإستسلام
    الذئب : يجب أن نساعدهم بأى طريقه ..مستحيل أن نتركهم يسقطوا فى أيديهم
    جوهر : أتسمع؟ انهم يستخدمون مكبرات الصوت
    الذئب بغضب : يطلبون منه تسليم نفسه ..الأوغاد يريدون تحطيم معنوياتهم
    نهض بسرعه من مكمنه فعاجله جوهر : الى أين أيها القائد ؟
    الذئب بعزم : لدى خطه ...هيا بنا


    تسلل الذئب والمجموعه التى معه من المجاهدين عبر ممرات جبليه ضيقه والتفوا من خلف القوات الروسيه التى تحاصر القائد حكيم وصعدوا الى قمة الجبل المجاور للقوات الروسيه وفتحوا النار عليهم

    وحدث ارتباك شديد للقوات الروسيه عندما فوجئوا بالنيران تأتى من خلفهم مما جعل القائد حكيم ومن معه يطلقوا النار بدورهم وبشكل مكثف

    وانقلب الموقف تماما وبدأت القوات الروسيه فى التراجع عندما شعروا أنهم محاصرون مما أحدث فجوه كبيره وسط القوات الروسيه واستطاع القائد حكيم ومن معه الخروج من الحصار

    فأخرج رجاله أولا ثم خرج من بعدهم

    وبينماهو يجرى أصابته طلقه فى ساقه فسقط أرضا فى منطقه مكشوفه للقوات الروسيه

    رأى الذئب من فوق الجبل القائد حكيم وهو يسقط فصرخ فيمن معه : احموا ظهرى وأطلقوا النار بكثافه

    نزل من الجبل عدوا على قدميه بسرعه كبيره ووصل الى القائد حكيم وسحبه من ذراعيه خلف صخره وسأله بعجاله : كيف حالك؟

    فابتسم القائد حكيم بألم وقال : الحمد لله ..اصابه مباشره فى الركبه ..لماذا أتيت ؟ دعنى وعد الى رجالك


    قال الذئب بحسم : سنعود معا

    كثف المجاهدون اطلاق النار على القوات الروسيه وشتتوا انتباههم

    رفع الذئب رأسه ونظر من خلف الصخره وعندما اطمئن ..حمل القائد حكيم فوق كتفه وانطلق يجرى باتجاه موقع المجاهدين
    عبر ثلثى الطريق


    وفجأه ....



    أصابته طلقه فى جانبه فاهتزت خطواته وترنح بشده وسقط أرضا هو والقائد حكيم


    .........................................................


    أطلق مالك النار على السياره الروسيه برغم اعتراض عمر الشديد فقتل أحد الجنود وأصاب عجلة السياره الخلفيه

    توقفت السياره وترجل منها بقية الجنود الروس واختبئوا خلفها يحتمون من طلقات مالك وبدأوا يطلقون النار باتجاه مالك وعمر الذى ارتبك بشده وأمسك سلاحه وأعده للإطلاق . لكنه لم يطلق منه رصاصة واحده


    أما مالك فأخذ يطلق عليهم النار لكنه لم يستطع اصابة أحد آخر فقد كانوا مختبئين خلف السياره وبدأ الغضب يسيطر عليه وعمر يصرخ فى أذنه برعب : مالك . مش هانقدر نهزمهم, يلا نهرب

    ارتعدت اطرافه عندما اتاه من خلفه صوت سلاح يعد للإطلاق

    وكان مالك الذى سمع نفس الصوت اسرع بكثير فى رد فعله

    فالتفت بحدة ليجد أمامه اثنين من الجنود كانا فى السيارة والتفا حول الجبل ليطوقا مالك بعد ان عجزوا عن ايقاف نيرانه الكثيفه

    فجأه صرخ مالك صرخه عنيفه غاضبه وهو يميل على جسد عمر الذى تحول الى صنم ذاهل ووجهه كتله من الرعب : أوغااااااااد

    واعتصر سلاحه عصرا


    ولكن..............


    رصاصاتهما كانت تحمل لمالك اكثر من مجرد موت


    كانت تحمل معها رياح الجنه...

    ولم يشأ مالك ان يرد الهدية,

    بل تلقاها بمجامع قلبه كحبيب يشتاق سنينا ليضم حبيبه


    أما عمر فقد أصيبت أطرافه الأربعه بالشلل للحظات وهو يرى مالك يحميه بجسده ويتلقى عنه نصيبه من طلقاتهما فى صدره مباشرة



    جن عمر تماما عندما انسكبت دماء صديقه الحبيب الى قلبه فوق ملابسه, وكأنما كان لون الدماء الأحمر القانى هو الذى ايقظه من ذهوله, وفجرت كل شئ فيه وحررته من قيود الخوف لتتحرك كل عضلة فى جسده, واولها سبابته التى عصرت زناد سلاحه عصرا حتى كادت ان تكسره


    وتلقى الجنديان كم لابأس به من الرصاصات فى جسديهما, وبعدها التفت عمر حيث السيارة التى خرج من خلفها البقية المختبئة واقتربوا من التلة بعد ان اطمئنوا لقيام زملائهما بالقضاء على المقاوم وسلاحه الحاصد


    وجرى عمر بكل قوته وهو يصرخ

    ماااااالك


    وورصاصاته مدفعه دون تفكير تحصد الجنود الروس الذين فوجئوا بوجود عمر واختفاء زميليهما


    ظل عمر يطلق النار حتى أرداهم جميعا ولم تتوقف أصابعه عن الضغط على الزناد الا عندما فرغ سلاحه تماما


    ألقى بسلاحه من بين يديه وعاد الى صديقه وحمل رأسه بين يديه وأسندها الى ساقه ووضع يده على صدره محاولا ايقاف الدماء التى سالت بغزاره وهو يقول والأسى والأم يقطر من كلماته: مالك . صديقى.اطمئن . انت بخير ..هأنقلك المعسكر وهايعالجوك, لازم يعالجوك

    ابتسم مالك كعادته ولكن ابتسامته هذه المره كانت شاحبة, وانتصر الألم على ملامح وجهه الباسم دائما, لكنه تماسك من اجل صديقه وقال : لماذا أرى وجهك عابسا ..ابتسم يا صديقى.. هل...

    غلبه الألم فصمت قليلا ثم قال : هل تريدنى أن أغيظك وأغنى لك في ليلة مولد الذئب

    حاول الضحك لكنه لم يستطيع : يبدو أنك ستعود للبيت بدونى

    سالت دموع عمر غزيره وهو يقول بصوت حزين : اسكت ..ما تقلش كده . هاترجع معايا, مش ممكن أرجع من غيرك أبدا ..هاترجع معايا,

    انت فاهم

    مش ها تموت أبدا


    مالك بضعف : كلنا سنموت يا صديقى. المهم هو كيف سنموت؟

    أوصيك بأمى وزهرة والصغيرين ..وأخبر أبى أننى أصبحت ذئبا يفخر به

    انتحب عمر وتساقطت دموعه وقال بعناد : لا .مش ها تموت يا صديقى ..هاتفضل معايا لحد ما تحقق أحلامك..هانحقق أحلامنا سوا, فاكر؟

    أحلامنا يا مالك ..هانحقق أحلامنا سوا

    مالك : سامحنى يا صديقى ..لأننى أخفيت عنك أكبر حلم فى حياتى ..انه حلم تتضاءل بجانبه كل الأحلام
    حلمى أن أموت شهيدا وأكون مع أخواى فى الجنه

    عمر بحسره : لا. مالك . ماتسيبنيش لوحدى ..انت صديقى الوحيد

    لم يرد مالك, ولكن شخص بصره الى السماء وقال بشرود : شامل. خالد. اشتقت اليكما

    يصمت قليلا ثم يقول : ماذا تريدنى أن أقول يا خالد؟

    يتلفت عمر حوله فلا يجد مخلوق غيرهما فيعقد حاجبيه وهو يراقبه بدهشه صامتا

    يرفع مالك سبابته اليمنى الى السماء ويقول : أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله

    وتفيض روحه الى بارئها فتسقط يده وتتعلق عيناه بالسماء وتستقر على وجهه الطفولى الجميل أروع ابتسامه يمكن أن يراها انسان


    صرخ عمر بلوعه وهو يحتضنه بقوه: ماااااااالك ..أخويا . صديقى . حبيبى ..ماتسيبنيش لوحدى

    لازم ترجع معايا .لازم نرجع البيت سوا, مش هارجع من غيرك

    ............................................................

    رفع الذئب رأسه من الأرض وهو يشعر بآلام رهيبه فى جانبه ..نظر الى القائد حكيم الذى أمسك به بلهفه وهو يقول : هل أنت بخير؟

    هز الذئب رأسه ولم يتكلم

    رأى المجاهدون الذئب والقائد حكيم وهما يسقطان فى منطقه مكشوفه للروس فكثفوا اطلاق النار بصوره كبيره أربكت الروس وأدت الى تراجعهم قليلا فتقدم المجاهدون عدة خطوات ليغطوا القائدين

    تحامل الذئب على نفسه ونهض بصعوبه وأمسك بذراعى القائد حكيم وأخذ يجره باتجاه موقع المجاهدين تحت ساتر النيران التى يطلقونها

    فصرخ جوهر الذى كان يقف فى المقدمه : سأنزل اليهم احمونى

    نزل من الجبل يجرى بكل قوته ومعه أحمد حتى وصلا الى سفح الجبل فوجد الذئب قد وصل قبلهما فأخذاهما الى منطقه آمنه
    وفشل الحصار الذى دام ثمانى ساعات وانسحبت القوات الروسيه من الموقع تجر أذيال الخيبه

    وساعد جوهر وأحمد القائدين على الوصول الى موقع المجاهدين

    ورفض الذئب الإعتماد على كتف جوهر وتحامل على نفسه حتى وصل الى الموقع على قدميه.فسأله جوهر بقلق : كيف حالك؟

    قال الذئب بهدوء : اصابه بسيطه ..لا شئ خطير

    كشف جوهر عن مكان الإصابه وقال بجزع : يا الهى ..أنت مصاب بشده

    نظر الى بقية المجاهدين وقال : يجب أن ننقلهما الى أقرب مستشفى ميدانى

    فى المستشفى قام الأطباء بمعالجة الذئب واستخراج الرصاصه من جانبه وأصر جوهر على البقاء معه حتى يطمئن عليه

    ولم يلبث أن رأى الطبيب حتى سأله بلهفه : كيف حاله الآن؟

    الطبيب : الحمد لله هو الآن بخير ..

    عجيب أمر هذا القائد .كيف تحمل كل هذا؟.لقد استخرجت من جسده رصاصه عيار 12.7 مم

    جوهر بدهشه : ماذا؟ ..انها ذخيره تستخدم لإختراق المدرعات والمواقع الحصينه ولكنها تجعل اللحم البشرى مثل اللحم المفروم ...

    والغريب أنه لم يظهر لنا أى دليل على الألم . بل تحامل على نفسه وأنقذ القائد حكيم

    الطبيب بدهشه : من هذا القائد؟ وكيف يتحمل جسده كل هذا؟

    جوهر : هو دائما يدهشنى هكذا انه يقوم الليل كل ليله ولا أراه الا صائما ..لم أشاهده يأكل أو ينام ..لا أعرف كيف يعيش؟!!

    كما أنه قليل الكلام دائم الشرود حزين

    الطبيب بعجب : ترى . ما الذى حدث له فى حياته ليصبح هكذا؟

    ..........................................................

    لم يستطع عمر أن يتذكر أبدا كيف عاد بمالك الى البيت؟ ولا ماذا ركب ولا من ساعده

    كل ما استطاع أن يتذكره هو أنه حمل جسد مالك الشهيد على كتفه وانطلق يجرى ويجرى ويتعثر ويسقط ثم ينهض ويحمله ويجرى من جديد وهو يبكى وينتحب والدموع تغرقه

    حتى ..جفت دموعه تماما تاركه خطين واضحين على خديه ولم يعد يجد دموعا يذرفها

    لم يتوقف عمر عن الجرى الا عندما فتح محمد باب البيت ونظر اليه وهو يحمل جسد مالك الشهيد بين ذراعيه

    نظر اليه محمد طويلا بصمت, وتغير لون وجهه وتفجر الحنان من عينيه ونطقت ملامحه بالألم واللوعه .

    لكن عيناه لم تذرفان دمعة واحده ..

    اقترب من رأس مالك ومسح على شعره بحب كبير

    تأمل عمر محمد بصمت طويلا وفهم أخيرا لماذا لا تبكى الذئاب

    لقد جفت دموعها من كثرة البكاء والألم

    حمل عمر ومحمد جثمان مالك المغطى بعلم بلاده ووجهه مكشوف يحمل نفس إبتسامته الجميله وخلفه يسير المجاهدون

    وأخذ عمر ينظر الى محمد بدهشه وعجب فهو صامت تماما ولم يذرف دمعه واحده ..

    حتى وصلوا الى المقابر وكان محمد هو الذى يقوم بكل شئ فهو الذى جهز القبر بنفسه ونزل فيه

    ثم نظر الى عمر ومد اليه ذراعيه ليناوله جسد مالك .

    لكن عمر تسمر فى مكانه وظهر على وجهه الألم وهو ينظر الى محمد بدهشه واستنكار وهو يفكر كيف له أن يدخل صديقه بيديه الى التراب

    أومأ الأب اليه .لكنه لم يتحرك .

    فسارع المجاهدون بحمل الجثمان وناولوه للأب الذى احتضنه بقوه ونظر فى وجهه الجميل نظره طويله وقبل جبينه ثم أرقده بحنان

    كان عمر يلقى النظرات الأخيره الى صديقه والحزن وألم الفراق يكاد أن يفتت قلبه

    وبعد أن انتهى محمد من عمله وقف أمام القبر بجوار عمر الذى قال بعد صمت طويل : الآن فقط فهمت ..ماذا يعنى أن تفقد أغلى الأصدقاء

    زفر الأب زفره حاره بحرارة اللهيب المشتعل فى أعماقه ثم وضع ذراعه على كتفه وقال : هيا لنذهب الى البيت يا بنى

    التفت اليه عمر بكل جوارحه ونظر اليه نظره طويله وهو يفكر .. (بنى) لأول مرة يقولها, ولأول مرة يستشعر عمر كل هذا القدر من الحب فى صوته

    ارتمى عمر بين أحضانه, ليشتم فيها حنان مالك أغلى انسان عرفهوأغلى انسان فقده

    واحتضنه الأب بقوه عله يهدئ من حريق فؤاده لفقد الأحبه أو يداوى جراح قلبه المكلوم

    -----------------------------------------------------------

    فى البيت ...جلس عمر مطأطأ الرأس حزين

    رفع رأسه ببطء وقال بألم : لماذا مات؟

    تعجب عمر من نفسه

    لأول مرة يتكلم بهذه الطريقة, كيف ينطق لسانه بالفصحى وكأنما لم يعرف غيرها فى حياته

    فى لحظة واحدة نسى كل ماضيه, وكأنما عاش حياته كلها على هذه الأرض, فى لحظة واحدة انقلب عقله وقلبه ولسانه, ليتحول الى ذئب شيشانى

    فى لحظة واحدة نسى عمر الديب ليعيش عمر ديساروف

    التفت اليه الأب ببطء : مالك لم يمت ..انه شهيد

    عمر وكأنه لم يسمع : لماذا قتلوه؟..لماذا مات بهذه الطريقه؟

    تنهد الأب بحراره وقال : لأنه أراد ذلك

    هب عمر من مكانه وقال بانفعال : لا..لم يكن يريد الموت, كان يحب الحياة بجنون..

    لقد عشت معه أياما طويله تشاركنا فيها الطعام والشراب, الألم والسعاده ..كان يحكى لى أحلامه..كان يحلم ببيت صغير وزوجه جميله وأطفال..

    لماذا لم يحقق حلمه؟

    الأب بهدوء : ومن قال أنه لم يحقق حلمه؟ .

    لقد اتخذ أقصر وأسرع الطرق لتحقيق الأحلام...لقد مات شهيدا من أجل الوطن

    يصرخ عمر : اللعنه على الوطن ..أى وطن هذا ؟ الأرض البيوت ..الجبال؟ ..مالك أغلى من كل هذا..لماذا نقتل من أجل وطن تموت فيه الأحلام؟

    الأب بقوه : عندما يستباح الوطن ..يستباح كل شئ .

    وتصبح الدنيا سوق كبير للنخاسه فيه الإنسان أرخص من تراب الأرض

    أتاه صوت زهرةالحزين : لقد آثر مالك الموت على حياة أرخص من التراب..لقد نال ما تمناه ..أنا سعيده لأجله

    عمر بدهشة غاضبة : أتقولين هذا؟ وهو الذى كان يحبك أكثر من أى شئ ؟ لقد كان يتمنى زوجة مثلك

    زهرة ودموعها تسيل على خديها : وأنا أحبه وسأفتقده كثيرا ..

    ولكن لا يجب أن يتحول الحب الى أنانية وقيد لمن نحب فنحن لا نحزن عليهم بقدر ما نحزن لأنفسنا, نحزن لفقدنا لهم ووحدتنا من بعدهم.. ان كنا نحبهم حقا فيجب أن نتخلى عن أنانيتنا ونتمنى لهم السعادة التى لم ينالوها فى هذه الحياة

    لقد نال مالك أقصى ما تمنى ..الشهادة مثل أخوينا وأمنا

    عمر بدهشة : هو الذى أخبرك بهذا؟

    زهرة : لم يكن بحاجة لأن يخبرنى حتى أعرف ما يفكر فيه ...
    انه أخى

    التفتت اليه وقالت : انت أيضا كنت تعرف

    انتفض بغضب وهتف قائلا : لا ..لم أكن أعرف

    زهرةبشجن حزين : بلى كنت تعرف ..لكن بداخلك طفل عنيد يخشى أن يصدق الحقيقة

    صمت عمر تماما ولم يستطع أن يرد ..وكأن زهرة قد كشفت كل ما فى نفسه .

    وطال صمته وهو يفكر بعمق.وفجأه هب من مكانه وفتح الباب فاصطدم بوجهه الهواء البارد وسمع محمد يقول : عمر .. الى أين تذهب ؟

    عمر بغضب : سأثأر له ..يجب أن يدفعوا الثمن غاليا

    محمد : وكيف ستطفئ نيران ثأرك؟ تقتل عشرة ..عشرون ..مائة؟..وبعد؟
    لن يحقق هذا ما كان يحلم به مالك

    محمد بهدوء : ما لهذا نحارب.... فهدفنا ليس الإنتقام ..
    الحرية يا ولدى ..اننا لا نسعى الى الإنتقام ..بل نسعى الى الحرية
    وهذا هو مالايريدونه لنا

    .........................................................

    (13)

    أيها القائد.....

    غادر الذئب شجونه وشروده والتفت الى جوهر الذى يقود السيارة بجواره وهو يقول باشفاق : مازلت شاردا حزينا كعادتك!!..

    أليس هناك نهاية لأحزانك؟

    أدار الذئب وجهه ونظر الى الطريق المظلم بصمت فقال جوهر بلهجة اعتذار : عفوا لم أقصد أن أتدخل فيما لا يعنينى ...ولكن ..ولكنك صغير السن وتحمل فوق رأسك هموما لا يتحملها جبل

    قال الذئب باقتضاب منهيا الحوار الذى كان من طرف واحد: وصلنا الى الموقع

    ابتلع جوهر ريقه بحرج وأوقف السيارة الصغيرة التى يقودها وفيها الذئب واثنين آخرين من كتيبته وخلفهم ناقلتين كبيرتين ..واحدة تحمل الجنود والثانيه تحمل العدد والآلات والأسلحه والذخيره

    نزل جوهر من السيارة وهو يقول :لقد درست المنطقه جيدا..هذا الجبل خلفه طريق للإمدادات يصل الى قاعدة عسكرية ..نستطيع اصطيادهم من فوق هذا الجبل وقطع طريق امداداتهم

    الذئب : حسنا ولكن أريد أولا تمشيطا دقيقا للمنطقة وما حولها . يجب أن نتأكد أنها آمنه تماما

    انتشر المجاهدون وأخذوا يمسحون المنطقة وهم يحملون أسلحتهم المجهزة والمعدة للإطلاق ثم بدأوا يصعدون الجبل يتقدمهم الذئب وأخذوا يفتشون الجبل تفتيشا دقيقا فلم يتركوا حجرا ولا حفرة الا وفتشوها ..

    دخل الذئب الى أحد الكهوف وأضاء كشافه القوى وأداره فى أرجاء الكهف الصغير, وشعر من الآثار على الأرض أن هذا الكهف يحمل آثار شخص دخله قبلهم بمدة قليلة

    شعر بحركة مريبة فقفز بحركة سريعة الى جانب الكهف وأطلق وابلا من النيران ومع الطلقات السريعه التى دوت فى الكهف بصوت يصم الآذان سمع صوت صراخ نسائى يهتف : توقف ..لا تطلق النار. لا تطلق النار.

    أوقف الطلقات وبدأ يتبين مصدر الصوت بحذر فرأى على ضوء الكشاف فتاة شقراء تخرج من خلف صخرةكبيرة فى جانب الكهف
    قالت بصوت مذعور وهى تلهث : توقف . أنا صحفية

    كان المجاهدين قد تجمعوا على صوت طلقات النار

    أخرجت الفتاة هويتها وهى تتأمل الوجوه المتشحة بالسواد, والعيون التى تنظر اليها فى ترقب وحذر, وانتابها الخوف, لكنها تماسكت أمامهم

    تفحص الذئب بطاقتها بالكشاف

    أخذت الصحفية تلهث من الخوف والإنفعال وهى تقول : أنتم مليشيات المقاومة؟

    جوهر : نحن المجاهدين ..أهل هذه البلاد

    تنهدت بعمق وقالت : آه ..أخيرا وجدتكم..كنت أبحث عنكم من مدة طويلة

    مدت يدها بالسلام نحو الذئب الذى كان أقرب الموجودين اليها وهى تقول : كاترين جوليان صحفية

    مد الذئب يده نحوها فظنت أنه سيسلم عليها لكنها فوجئت بأنه يرد اليها بطاقتها وسمعته يقول من خلف لثامه الأسود الذى لا يظهر سوى عينيه : وما الذى أتى بصحفيه فى هذا المكان ..ووحدها؟

    أصابتها الدهشه من معاملته الجافه ولهجته الخشنة ..لكنها تجاهلت ذلك وهى تقول : أنا فى مهمة صحفية هنا مع فريق من الصحفيين وكنا فى القاعدة العسكرية الروسية القريبة من هنا لعمل لقاءات وأحاديث مع الجنود

    ابتسمت وهى تكمل : لكننى هربت من المعسكر الروسى وسرت حتى وصلت الى هنا وعندما هبط الليل اختبأت فى هذا الكهف

    الذئب بخشونه : ولم فعلت ذلك؟

    قالت بسرعه : لأننى كنت أبحث عنكم..الجميع يقابل الجنود الروس ويتتبع أخبارهم وينشرها .وأما المليشيات .فلا أحد قابلهم أو تحدث معهم أو حتى سمع وجهة نظرهم وأنا أريد أن أحظى بهذا السبق

    التفت الذئب مغادرا الكهف بغضب دون أن يتكلم ونزل من الجبل بسرعة وخلفه جوهرالذى سأله : ماذا سنفعل بها أيها القائد؟

    قال بضيق : سأصطحبها لأقرب قرية بها ممثلى اللجان الدولية

    هتف جوهر : أتعلم كم تبعد عن هنا؟.المخاطرة كبيرة ..الأفضل أن نأخذها لأقرب معسكر للمجاهدين وهم يتولون اعادتها

    الذئب بتجهم : لو فعلنا ذلك لأمتلئت صحف الغد بوصفنا بكلمات مثل الإرهابيين الخاطفين, ولتحولت قصتها لأفلام تبكى العالم عن المتوحشين الذين اختطفوا الصحفية البريئة

    جوهر : لكنها عندما تعود بالتأكيد ستوضح لهم الأمر وتنشره

    الذئب : قد لا يحالفنا الحظ لهذه الدرجة وتظل حيةحتى تصل الى بلادها وتنشر الحقيقة ..لذلك يجب أن أعيدها الآن وفورا

    جوهر : ولكن الطريق طويل وخطروقد يرصدوا السيارة وعندها...

    الذئب : على الأقل عندها لن تكون فى معسكراتنا ولن يستطيع أحد أن يقول أننا اختطفناها أو عذبناها

    وصل الى مكان السيارات وقفز الى السيارة الصغيرة وقال بلهجة آمره : أحضرها الى هنا ..سأقوم باعادتها بنفسى واستمروا أنتم فى تنفيذ الخطة, تعلم موعد ومكان اللقاء مع مجموعة القائد سليم
    يجب أن تنجز الخطة بدقة شديدة ..هل فهمت

    هتف جوهر بانفعال : ولكن ذلك خطر كبير على حياتك ..كما أنك قائدنا ..فلتختار أحد آخر لإصطحابها

    قال الذئب بخشونة : نفذ الأوامر

    التفت جوهر باستسلام لتنفيذ الأمر لكنه توقف عندما سمع الذئب يقول : جوهر ..

    التفت اليه فقال الذئب بتأكيد : أنت القائد من الآن

    صرخ جوهر بدهشه عارمه : لا ..مستحيل أنا...!!!

    قاطعه الذئب قائلا بثقه : أعتمد عليك

    ابتلع جوهر ريقه بصمت وعجب ولم يدرى ما يقول

    وصلت كاترين الى السيارة التى جلس الذئب خلف عجلة قيادتها وقال لها باقتضاب : اركبى

    فسألته بدهشه : الى أين؟

    قال ووجهه الى الطريق : سآخذك لأقرب منطقة فيها ممثلى اللجان الدولية والصليب الأحمر

    هتفت كاترين باعتراض : ولكنى لم أتم مهمتى هنا بعد

    زفر بضيق وقال بصوت أصابها بالرعب : اركبى

    ركبت بسرعة وانطلق الذئب بالسيارة وخلفه عيون المجاهدين

    اقترب أحمد من جوهر وسأله : لماذا لم يأمر أحد منا باعادتها؟
    هل يخاف علينا الفتنه ؟

    قال جوهر وعينيه على السيارة التى ابتعدت بمسافه كبيرة: أظنه يخشى أن يتحدث أحد منا معها فتستطيع استدراجه للبوح بأسرار محظورة

    تنهد أحمد بحراره وقال : وهل تظنه يستطيع أن يصمد أمامها؟

    جوهر بتهكم : هل اختل عقلك؟؟ألا تعلم من هذا؟ انه الذئب..

    كل ما أرجوه هو ألا يفقدها عقلها حتى تصل سالمة الى القريه

    التفت خلفه ينظر الى الجبل وزفر بقوة قائلا : هيا فلدينا عمل يجب أن ننجزه

    لم ينطق الذئب بكلمه واحده منذ أن انطلقا بالسيارة وأخذت كاترين تتطلع اليه من حين لآخر تنتظر أن يسألها أو حتى ينظر اليها لكنه لم يفعل فقالت :

    أظنك تتساءل لماذا لم أخاف منكم برغم ما يشيعه الروس عنكم من أنكم ارهابيين متوحشين آكلي لحوم البشر .. وانكم تتلذذون بتعذيب وارهاب الآخرين؟

    انتظرت أن يرد . لكنه لم يلتفت حتى اليها

    فقالت تستحثه : أنت تتعجب..تتعجب أليس كذلك؟

    تجاوزت صمته وقالت وكأنه رد عليها : لأن من عادتى أن أقرأ كل ما كتب عن أى موضوع أريد أن أكتب عنه
    وأشد ما أثار عجبى ما كتبه عنكم سولجنستين وكذلك ما كتبه المؤرخ الأوروبي ("روبرت كونكوست" في كتاب "قتلة الأمم"ألا تريد أن تعرف ما قاله عنكم؟

    أكملت عندما لم يرد : كتب "لقد كانوا أسودا ذوي شهامة عسكرية تجلت في معاملتهم للأسرى والجرحى من الأعداء ولا غرو في ذلك، فقد كان القادة هم العلماء الذين يقاتلون دفاعا عن أرضهم ودينهم حتى آخر جندي وآخر سيف". )*
    أليس غريبا أن يكون هذا هو رأى أعداءكم فيكم..؟
    لهذا سعيت لمقابلتكم دون خوف..كنت أريد أن أتأكد من مدى صدق هذه العبارة

    صمتت قليلا لتفسح له المجال ليتكلم ..لكنه لم يفعل ..زفرت بغيظ وقالت : الجو هادئ تماما على عكس ما كنت أتوقع

    استفزها بشده صمته الغريب . فنظرت اليه بدقه برغم الظلام الذى لم يخفف منه سوى ضوء القمر وانعكاس مصابيح السياره القوية فوقعت عيناها على شئ يلمع فى يده, دققت النظر فوجدته خاتم زواج فى بنصره الأيسر فسألته بدهشه : متزوج؟ !!..عجبا رغم أن سنك صغير..أتساءل من هى المرأه التى تستطيع أن تتحمل حياة كتلك التى تحياها ؟

    لم تستطع أن ترى ارتعاشة عضلات وجهه التى توارت خلف لثامه الأسود ..لكن صمته أصابها بالغيظ الشديد فقالت بضيق لا أفهم كيف يمكن لإمرأه طبيعيه أن تقبل بالزواج من رجل مثلك لديه كل هذه القدره على الصمت؟

    غمرته أمواج من الحزن من جديد, كان رأسه يجيش بالذكريات ويملأ أذنيه صوت ضحكات قادمه من بعيد وهى تقترب وتقترب ويعقبها صوت جميل حبيب اليه أشعل الحنين فى قلبه وهو يهتف بحب: أنت كما أنت لن تتغير أبدا. منذ أول يوم فى زواجنا وأنت تسألنى نفس السؤال

    عمر بحب : وحتى الآن لم تجيبينى ...
    أخبرينى بصدق ..كيف لفتاة مثلك أن تقبل بالزواج ممن هو مثلى ؟

    ابتسمت وهى تملأ عينيها بملامح وجهه : ربما أرى فيك ما لا يستطيع الآخرون رؤيته

    عمر ساخرا : اذن فهل أصبح كل الناس من العميان؟

    ضحكت وقالت : لا يا حبيبى ولكنهم لا يملكون قلبى ولا عينى ليروك بها

    تنهد بعمق وقال بشرود : كم كان خالى رجلا عظيما - رحمه الله- ..كان يعطى بلا حدود .. منحنى أغلى ما لديه وأخشى ألا أكون جديرا به

    اتسعت ابتسامتها قائلة : رأى فيك ما رأيته أنا

    تنهدت بحراره وهى تكمل : ولكن بداخلك طفل عنيد ..يخشى أن يصدق الحقيقه
    أتعلم أنك تشبهه كثيرا, أقصد فى طريقة التفكير والتصرفات
    يبدو أن الفترة التى قضيتها بصحبته جعلتك تتوحد معه وتأخذ منه أشياء كثيرة

    عمر بحب : وأكثر ما أخذت منه هو حبه الكبير لك


    أيها القائد ..هل تسمعنى؟

    أفاق من شروده على صراخ كاترين المغتاظ فالتفت اليها بدهشه قالت بغيظ شديد : كنت قد بدأت أظن أنك فقدت السمع كما فقدت الكلام فمنذ أن انطلقنا بالسياره من ساعه ونصف وانت لم تفتح فمك أبدا.. لاأدرى من أين لك بكل هذه القدرة الجبارة على الصمت

    عقد حاجبيه و أنصت بإهتمام كبير
    أوقف السياره فجأه فارتج جسدها بعنف وهتفت : ماذا حدث؟

    قال بتوتر : لقد رصدوا السياره ..انزلى بسرعه

    نزلت من السياره وانطلقت تجرى خلفه بسرعه كبيره عندما وصل الى مسامعها صوت هدير طائرة مروحيه وتساءلت فى نفسها ..كيف استطاع أن يلاحظ صوت المروحيه من هذا البعد؟

    ظلا يجريان حتى وصلا الى منطقه جبليه واختبئا خلف الصخور

    نظر الذئب من مكمنه فوجد ضوء المروحيه القوى مسلط على السياره ثم أخذت المروحيه تجول فى المنطقه بكشافاتها القويه بحثا عمن كانوا فى السياره

    بدأ الذئب ينظر حوله يبحث عن مكان أكثر أمنا ثم قال لكاترين : اتبعينى

    سارت خلفه بهدوء منحنية الرأس وهى تخشى أن يعلو صوت دقات قلبها المرتعب ويصل الى مطارديهما..حتى وصلا الى ممر ضيق فى الجبل فسألته كاترين بخوف : ماذا سيفعلون بنا ان وجدونا؟

    قال بثقه : ان شاء الله لن يجدونا

    قالت بقلق : لماذا يطاردوننا؟ وكيف علموا بموقع السيارة

    قال بهدوء غريب وبصوت يشع بالفخر والثقة : لا يطاردوننا نحن,
    لاشك أن جوهر نجح فى مهمته, وأثار كل الكلاب المسعورة, فخرجت تبحث عن أى فريسة تنفث فيها نيران انتقامها وغلها

    قالت برعب : أتمنى ألا نكون نحن الفريسة

    وجهت المروحيه بحثها الى الناحيه الأخرى من الطريق حيث ترك السياره على الجانب الآخر للطريق وانطلق يجرى فى الإتجاه العكسى كنوع من التمويه

    وبعد أن قامت بعدة حركات دائرية, ابتعدت لتبحث فى مكان آخر

    وعندما اطمئن لإبتعادها, خرج من مكانه وبدأ بعبور الممر مسرعا ولكن بحذر وكاترين خلفه حتى وصلا بعد مدة طويلة الى الجانب الآخر من الجبل

    ألقت كاترين بجسدها المنهك على الأرض تستريح من عناء عبور الممر الغير ممهد والملئ بالصخور وقالت وهى تلهث بعد أن ابتعدا عن المروحية : والآن ..ماذا سنفعل؟

    قال باقتضاب : سنمشى

    هتفت بدهشه : ماذا؟ نمشى؟ أكاد أموت تعبا

    كانت عيناه تجولان فى المكان وهو يقول : المكان هنا غير آمن, وقد يعودون من جديد ..لابد أن نرحل فورا

    مدت يدها اليه وكأنما تطلب منه دون كلام مساعدتها على النهوض

    ولكنه تجاهل يدها واستدار ومضى فى طريقه بصمت وكاترين خلفه تترنح من التعب وتكاد تنفجر غيظا من تصرفاته.

    بدأ الفجر يغشى الليل معلنا مولد يوم جديد, عندما ارتمت كاترين على الأرض لتلتقط أنفاسها من فرط السير على أرض جبلية غير ممهدة, وعندما رفعت عينيها اليه, غمرتها الدهشة عندما رأته يوليها ظهره ويعيش مع صلاته

    زفرت بقوة, وهزت برأسها فى عجب وهى تتساءل فى نفسها : أى قوة يمتلك هذا الرجل؟ وأى سكينة تهبط عليه فى تلك اللحظات الحرجه, وتجعله يصلى بكل هذا الخشوع برغم الخطر المحدق بنا؟


    أنهى صلاته, وعاد يسير فى طريقه, ونهضت باستسلام صامت تتبعه بعد أن أدركت أن أى اعتراض تبديه ليس له جدوى أمام شخصيته القوية الآمرة

    سارا لمدة طويلة, حتى صعدا الى جبل قصير ثم بدءا فى النزول من الجانب الآخر مع أول خيوط الشمس, ألقت بعينيها أسفل الجبل وتنهدت وهى تقول بسعاده كبيرة : أخيرا, قرية هناك, سنأكل ونرتاح

    قال بهدوء وهو ينظر نحو القرية البعيدة : لاتتعلقى بالأمل كثيرا حتى لا تصابى بصدمة

    التفتت اليه بحده وسألته : ماذا تقصد؟ لم أفهم كلامك

    قال باقتضاب : ستفهمين عندما نصل الى هناك

    وعندما وصلا الى هناك أدركت الصدمة التى كان يتحدث عنها, بل عايشتها بكل مشاعرها .



    كان الدمار الذى لحق بالقريه مروعا بحق ..سارت داخل القرية تتأمل البيوت المهدمة والمحال والسيارات المحطمة وهى فى غاية الذهول حتى أتاها صوته الغاضب : (هكذا هم فى حروبنا معهم عندما يهاجمون الشيشان فى كل مرة يستخدمون فى تقدمهم سياسة الأرض المحروقة فلا يتركوا أخضرا ولا يابس ..حتى المناطق التى أخليناها ..لم يتقدموا فيها حتى أحرقوها تماما بكل ما أوتوا من قوة تحسبا وخوفا من عودتنا)*

    قالت كاترين بألم وهى تنظر حولها وتتأمل الدمار بذهول : مستحيل ..انهم وحوش ..قتلة ..يجب أن يحاكموا أمام العالم كمجرمى حرب, تلك القرية الامنة , ما ذنب سكانها من المدنيين الأبرياء؟

    زفر عمر زفرة حارقة من قلبه المشتعل : يرون الشعب الشيشاني كله شعباً إرهابي

    ARSHTGHOY
    عضو فعال
    عضو فعال

    عدد المساهمات : 99
    نقاط : 153
    تاريخ التسجيل : 26/10/2009
    الموقع : رأس العين

    رد: رواية عودة الذئب الحلقة الرابعة

    مُساهمة من طرف ARSHTGHOY في الأربعاء فبراير 10, 2010 9:19 pm

    مشكور وشي
    قصة في غاية الروعة

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة سبتمبر 21, 2018 12:45 am