القفقاس ابداع

الهدف من المنتدى التعريف بشعوب القوقاز وتواصلها مع الشعوب الشرقية كما يساهم في تواصل الشباب والشابات وزيادة معرفتهم بالعائلات الشيشانية والداغستانية والشركسية ويعرض آخر أخبار الوطن والعالم ويعطي مجال واسع للشباب والشابات في طرح أفكارهم وآرائهم

بعد تفجيرات موسكو وقطار داغستان وانغوشيا روسيا تنتضر المزيد واستنفار هائل لقوة الامن الروسية

المواضيع الأخيرة

» صور من تصميماتي
الجمعة فبراير 28, 2014 12:40 pm من طرف zaid varouqa

» الوطن-في-أدب-الشراكسة-العربي-والمعرب-د.-إيمان-بقاعي
الجمعة فبراير 28, 2014 12:35 pm من طرف zaid varouqa

»  القاموس الشركسي جديد
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:22 pm من طرف zaid varouqa

» تشيركيسك
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:18 pm من طرف zaid varouqa

» قدماء الأديغة
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:16 pm من طرف zaid varouqa

» جهاد واستشهاد شركسي ضد الاحتلال الفرنسي لسوريا
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:15 pm من طرف zaid varouqa

» عيد الدغاغازة
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:14 pm من طرف zaid varouqa

» الشاعر عادل بيرسنق الشيشاني
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:13 pm من طرف zaid varouqa

»  اكتشافات أثرية في جبال شمال القوقاز
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:11 pm من طرف zaid varouqa


    رواية عودة الذئب الحلقة الخامسة

    شاطر
    avatar
    الذئب الوحيد

    الحمل
    عدد المساهمات : 20
    نقاط : 61
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010
    الموقع : مصر

    رواية عودة الذئب الحلقة الخامسة

    مُساهمة من طرف الذئب الوحيد في الخميس فبراير 04, 2010 7:10 pm

    زفر عمر زفرة حارقة من قلبه المشتعل : يرون الشعب الشيشاني كله شعباً إرهابياً حتى الطفل الصغير ، ولذا فهم لا يفرقون بين المجاهدين وبين المدنيين من الشيوخ والنساء والأطفال ، فقذائف الطائرات والصواريخ بعيدة المدى تستهدف المدنيين حتى تجليهم عن أرضهم،وقد حصل منجراء هذا القصف مذابح مروعة للمدنيين راح ضحيتها الكثير من الشيوخ والنساء والأطفال

    ماذا ستفعلين لو رأيت بعينيك المذابح المروعة التى تبكيلها العيون وتتفطر لها القلوب .

    دفن المه بين ضلوعه وقال يتعجلها : هيا لا وقت لدينا, علينا أن نغادر بسرعه

    لم تستمع اليه وأخرجت الكاميرا من حقيبتها وبدأت تلتقط صورا كثيره لمناظر الدمار الرهيب الذى حل بالقرية

    تركها الذئب تلتقط ما تريده من صور ولم يعترض بل أخذ يدور فى المكان ليتأكد أنه آمن

    توقفت كاترين طويلا أمام احد البيوت المحترقه وأخذت تتأمل أحد جدرانه المهدمة, والتى كتب عليه بخط كبير

    (مرحبا بكم فى الجحيم) "كتبت هذه العبارات بالفعل على جدران المنازل فى جروزنى أثناء الحرب"

    تساءلت كاترين بدهشه : كيف تحمل المدنيين كل تلك الأهوال والمآسى؟

    رد عليها دون أن يلتفت وظهر الحزن عميقا فى صوته : من أجل هذا غادر المجاهدون الى الجبال

    قالت والدموع فى عينيها وصوتها يكاد يختنق من البكاء : ولكن لم يفعلون ذلك؟

    لم يرد عليها ..كان عقله فى مكان آخر, وروحه تحلق بعيدا هناك


    ........


    عمر ..أرى فى عينيك خوف وقلق

    ابتسم عمر وقال : ياربنا ..كيف أستطيع أن أخفى عنك شيئا؟ لديك كاشف للأسرار أعجز تماما عن خداعه

    زهره بحنان : هيا . اعترف ..ماذا يقلقك الآن؟

    اختفت ابتسامته وقال بأسف : أصدرت القياده أوامرها لنا بالإنسحاب من العاصمه وتركها للروس, لم يعد أهل البلاد المدنيين بقادرين على تحمل هذا الجحيم المستعر
    لقد صبروا معنا طوال اشهر, فقدوا فيها كل شئ, وبقوا صامدين تحت الحصار فىأقسى ظروف يمكن أن يعيشها انسان, والآن, علينا الخروج حتى لا تفنى جروزنى...

    تنهد بأسى وهو يقول : لأشد ما يؤلمنى هو أننى سأضطر لتركك هنا أنت وأمك وأخويك وطفلتنا والرحيل مع المجاهدين

    ابتسمت محاوله التخفيف عنه وقالت محاوله تغيير مجرى الحديث : مازلت مصرا أنها طفله وليس طفل !!

    تعود لعمر ابتسامته وهو يقول : طفله أو طفل ..المهم أن يشبهك

    زهره باصرار : ولكنى أريد ولدا يشبهك أنت

    ينتفض عمربطريقه طفوليه ويهتف : يفتح الله ..هارجع فى البيعه
    مش كفايه واحد منى فى العيلة؟

    ضحكت زهره بشده وقالت : لم تنسى أبدا اللهجه المصريه ..مازال يجرى فى دمائك حبك لمصر !

    ابتسم بحنين كبير وظهر فى وجهه عاطفه جياشه وهو يقول : وكيف أنسى أجمل سنوات عمرى ..ملاعب الطفوله والصبا ومراتع الفتوه ..

    أمى فتحية وأبويا بسيونى,

    قهوة عم جاد . القلعه . مسجد السلطان حسن ..بوابة المتولى..

    الكره الشراب والطيارات الورق وهي مالية السما زى النجوم,

    وشمس الأصيل ونسيم العصارى ونهر النيل

    وريحة الورد البلدى ..

    بحر اسكندريه وهواه

    أغمض عينيه واستنشق الهواء بقوة وكأنما يستشعر طعم الهواء فى خياله وقال : كيف أنسى الدفء بلا حدود؟

    ابتسمت زهره وقالت : لقد أحببت مصر دون أن أراها .. تصفها كأجمل ما تكون.. حقا أثرت شوقى لرؤياها

    التفت اليها وقال بسعاده : حقا؟

    هزت رأسها بالموافقه فأكمل بحماس : أعدك عندما أعود . ويخرج الروس من الشيشان . سأعمل كل جهدى لنزور مصر معا ..اتفقنا؟

    هزت رأسها موافقه بسعاده, فجأة فقد ابتسامته وشرد بعيدا وقال : هذا ان عدت

    هتفت بقوه : ستعود ان شاء الله ...أعلم أنك ستعود .فيجب أن يعود الذئب مهما طال الزمن وقست الظروف


    عدت لشرودك من جديد
    ألا تسمعنى اخاطبك؟

    أدار عمر رأسه ببطء تجاه كاترين التى أصابتها الدهشة من منظر عينيه الحزينتين الخاويتين وكأنما ينظر الى الماضى لااليها
    قالت بتعاطف كبير: كان الأمر بشعا..أليس كذلك؟

    أكملت بأسف دون انتظار رده : وجروزنى هى دائما الأكثر معاناة

    عجز عمر عن اخفاء الألم الممزوج بالغضب فى صوته وهو يقول : شهور تحت القصف الرهيب والحصار الحديدي
    ثلاثة آلاف بالأسلحةالخفيفة, أكبرها الهاون 120مم، وقليل من القذائف التي نغنمها من الروس مقابلمائة ألف جندي أو يزيد تدعمهم المدفعية والطائرات
    جرّب الروس فيها كل الأسلحةالمحرمة دوليا, القديمة والجديدة الكيماوية منها والعنقودية والفراغية
    دمرواالمدينة تماماً تقريباً وحتى الطرقات لدرجة أنهم عندما دخلوها لم تستطع الدبابات أن تمر فيها.



    تنهد بمرارة كبيرة وقال : هل شاهدت يوما قنابل فراغية 9طن ؟

    انها تقسم المبنى عشرة طوابق إلى قسمين حتى الملجأ السفلي،

    قتل الكثير والكثير من المجاهدين والسكان العزل تحت الهدم ، ورغم هذا كان تقدم الروس في المدينة بطيئاً جداً

    كل يوم وبعد معارك عنيفة فى مائة متر فقط ، يسوون البيوت بالأرض فيتراجع المجاهدون إلى المربع التالي بعد خسائر فادحة في الروس حتى المستشفيات التى تحت الأرض قصفها الروس بشدة

    وقلّت المؤن والذخيرة ولم يبق في المدينة مدينة ، حتى أن الروس عندما دخلوها بعد خروجنا لم يجدوا فيها مبنىً سليماً فقرروا أن يجعلوا مدينة "جود رميس" العاصمة المؤقتة ،

    كاترين بتفهم : ولهذا انسحبتم متسللين خارج العاصمة

    التفت اليها بحدة وقال بغضب : لم نتسلل ابدا, أهذا هو ما يسوقه اعلامهم وترمى اليه صحافتهم؟
    لقد اجتمع القادة وتشاورا وقرروا الخروج من جروزني بكامل أسلحتهم في اتجاه ممر"يرمولوفكا" المعروف والمحاط بالروس

    وتقدم القادة في البداية يفتحون الطريق بأنفسهم وقد قتل وجرح معظمهم لكثرة الألغام والقصف المباشر ولم ينج منهم إلا قليل

    واستمرت القافلة إلى أن وصلت إلى الجبال الجنوبية ورغم الجراح والمعاناة لم يجرؤ الروس على المواجهة المباشرة

    كاترين بتأثر شديد : وماذا عن المدنيين؟ ماذا فعل بهم الروس عندما دخلوا المدينة ؟




    عندما ترك عمر جروزنى لم يكن يتوقع ابدا أنه سيعود اليها بهذه السرعه وبهذه الطريقة وقبل أن يخرج الروس منها

    علم المجاهدون أن القوات الروسيه التى احتلت جروزنى قد اشترت بعض الخونه والعملاء وأغرتهم بالمال للإبلاغ عن أى معلومات عن المجاهدين وأهليهم وأماكن بيوتهم

    عندها جن جنونه وقرر العودة الى جروزنى ليلا ليرى زهره مهما كان الثمن ومهما كانت المجازفه وبرغم اعتراض القاده جميعا

    الا أن أحد منهم لم يستطع الوقوف أمام اصراره الرهيب على العوده ليطمئن على زوجته فسمحوا له مضطرين بالعوده الى جروزنى ومعه اثنين من المجاهدين لمساعدته على التسلل ليلا الى هناك

    وبالفعل استطاع عمر التسلل الى جروزنى والوصول الى بيته الذى تهدم نصفه تقريبا.

    دخل الى البيت دون أن يشعر به أحد فوجد البيت مظلم تماما

    أخذ يدور فى أنحاء البيت بهدوء حتى وصل الى حجرة المعيشه ..وهناك وجد زهره تجلس فى مكانها المفضل بجوار المكتبه الكبيره وهى تقرأ القرآن فى ضوء شمعه بجوارها وبقية الحجره غارقه فى الظلام

    أجفلت زهره متعوذه عندما فوجئت بشبح أسود يقف فى الظلام ..لكنها عرفته بسرعه وقالت بدهشه وهى تحتضنه بحب وشوق: عمر !!
    كيف أتيت الى هنا, يجب أن ترحل عن جروزنى فأنت فى خطر محقق

    خلع عمر لثامه الأسود عن وجهه وقال بلهفه وهو يتمسك بها بقوة وكأنما يخشى أن تبتعد عنه : لا يهمنى أى شئ..لقد أتيت من أجلك ....زهره ..يجب أن ترحلى عن هنا فهناك خونه فى جروزنى يرشدون الروس الى بيوت المجاهدين فى مقابل المال ..يجب أن ترحلى قبل أن يخبروا الروس عنكى

    زهره : لا يمكننى الرحيل ..أنت تعلم أننى طبيبه والمستشفى بحاجه الى, لدينا نقص فظيع فى الأطباء وأعداد الجرحى كبير,لا يمكننى الرحيل

    قال باصرار : اسمعينى .لو أبلغوا عنكى فستفقد المستشفى طبيبه أخرى الى الأبد, لا يمكنك أن.......

    ابعدت رأسها عن كتفه لتنظر الى عينيه وتتأمل ملامحه على ضوء الشمعة وهى تهتف بأسى : أنت لم تر ماوصل اليه الحال فى المستشفى
    اننا نجرى العمليات الجراحية على ضوء المصابيح اليدوية ولمبات الغاز, والجرحى المساكين يقاسون البرد الشديد بالإضافة لآلامهم وجراحاتهم بعد انقطاع الغاز بسبب الحرب ،
    الطعام غيرموجود حتى للأطباء والعاملين في المستشفى وان وجد فهو لا يكفي لتغذية المريض ، فالجرحى يتكفلون شراءه من خارج المستشفى بالإضافة لشراء الدواء
    كيف اشرح لك؟

    النقص فظيع فى الدواء والأدوات الجراحية من غياب القفازات الجراحية التي يستخدمها الجراح في عمله ، وعدم وجود الشاش الذي لايمكن إجراء أي عملية ، أو حتى ضماد بسيط بدونه ، المريض الذي يريد أن يغير ضماد جرحه يأتى حاملاً معه الضماد والمطهر والدواء

    عمر..لا يمكننى المغادرة ابدا. فهم بحاجة ماسة الىّ

    الوضع في المستشفيات أشبه بصراع بين طرفين أولهما صواريخ الروس وقنابلهم ،وثانيهما الطعام والدواء والكادر الطبي المحدود .

    وإذا استمر هذا العدوان الوحشي وبقيت حالة العجز في المستشفيات فإن الشعب بأكمله معرض للإبادة الجماعية لا محالة

    تأمل عمر وجهها بحب وفخر كبير وهمس قائلا : لهذا بقيت في المستشفي اكثر من ستين يوما ليل نهار مع الجرحى تحت القصف بالقنابل الفراغية والعميقة التي تزلزل الأسس
    وحتى عندما نقل مكان المستشفي ثلاث مرات لم تتخلفى عنه ابدا
    أقدر تماما كل ما تفعلينه يا حبيبتى
    ولكن الأمر مختلف تماما هذه المرة, فحيـ.....

    لم يتم عمر الكلمة, فجأة صمت تماما وعقد حاجبيه بشدة وأصغى سمعه باهتمام ثم التفت اليها بحده وأمسك ذراعيها وقال بجزع :

    انهم قادمون
    لم يتم عمر الكلمة, فجأة صمت تماما وعقد حاجبيه بشدة وأصغى سمعه باهتمام ثم التفت اليها بحده وأمسك ذراعيها وقال بجزع :

    انهم قادمون .أسمع صوت آلياتهم

    أنصتت باهتمام وظهر فى وجهها الخوف وتشبثت به وهى تقول : انهم يقتربون, عمر . يجب أن ترحل فورا قبل أن يجدوك

    ألقى عمر نظرة من النافذة,و عبر الظلام ومن خلف الستائر المسدلة, شاهد العربات المدرعة وهى تسير آمنة ببطء مستفز وكأنهم فى نزهة, التفت اليها وقال بقلق : توقفوا هنا

    تشبث بسلاحه بقوة وأسند ظهره للجدار بجوار الباب وبيده الأخرى أمسك بيد زهره وتشابكت أصابعهما بقوة وبدأ الرعب يدب فى قلبه ..وبرغم البرودة الشديدة وانقطاع الكهرباء وتعطل أجهزة التكييف بدأت حبات العرق تتراص على جبينه وبدأت صورة قديمة مرعبة تقتحم عقله ..صورة لم يراها بعينيه لكنه رآها بخياله

    صورة أمه وأبيه واخوته الذين ذبحوا فى بيتهم بيد الإحتلال... ولم يستطع أن يمنع الخوف عن قلبه عندما سمع وقع أقدام الجنود الروس يقترب بسرعة وضغط يد زهرة فى قوه ونظر فى عينيها وكأنه يستمد منهما الأمان وتسارعت دقات قلبه وصوت أقدام الجنود يقترب ويقترب

    ........................................................


    (14)

    احذرى ......

    صرخ الذئب وهو يدفع كاترين بقسوه فسقطت على الأرض بعنف وهى تصرخ من الألم

    نهضت ببطء متأوهه وهى تنظر اليه بغضب وتصرخ قائله : لماذا فعلت ذلك؟

    أشار الى الأرض وهو يقول : قذائف فقاس

    نظرت حيث يشير وقالت بدهشه : ماذا؟ ....لم أفهم

    قال بهدوء : فقاس ألغام بشرية مضادة للأفراد وهى كثيرة الشظايا وصغيرة بحيث لا تلاحظ بسهوله ...يلغمون بها طريق القرى لتنفجر فى طريق المهاجرين الذين سيمرون من على هذا الطريق

    تأملت القذيفة بدهشة وخوف وابتلعت ريقها ثم نظرت اليه قائله بامتنان : كدت أموت ...لقد أنقذت حياتى

    قال بلامبالاة: هذا فى أسوأ الظروف ..ولكن فى الغالب كنت ستفقدين ساقا أو يدا ..انهم يتقنون صنعها بحيث لا تقتل مباشرة فهم يريدون جعل موتنا بطيئا

    نظرت اليه بذهول .لكنه تركها تكمل عملها وأخذ يدور فى أرجاء القرية

    انشغلت كاترين بالتقاط الصور وأخذها الحماس الشديد وحبها لعملها, لكنها استفاقت فجأة لتجد نفسها وحيدة فى المكان, أخذت تتلفت حولها باحثة عن الذئب, لكنها لم تجده

    بدأ الخوف يزحف بقوة الى قلبها, لكنها تماسكت وأخذت تبحث عنه فى المناطق القريبة وهى تنادى : أيها القائد, أين أنت؟

    هل انتهيت؟

    أجفلت بشدة وهى تلتفت الى مصدر الصوت, رأته وهو يخرج من بيت قريب ويقترب منها

    أخذت تلهث وعلامات الخوف تتبدل فى ملامحها الى الغضب وهى تهتف : الى أين ذهبت؟

    قال بطريقته المباشرة المختصرة, والتى بدأت فى التأقلم معها : كنت أبحث عن سيارة

    تأملته مليا بدهشة, كان قد بدل ملابسه العسكرية بأخرى مدنية,

    لكن ما أثار دهشتها حقا هو ذلك الكم من الوسامة التى يحملها وجهه بعد أن نزع لثامه الأسود

    هتفت بانبهار : وااااااو ..أ كل الشيشانيين بتلك الوسامة؟

    تجاهل نظراتها تماما ولم يرد على عبارتها, وتركها وأخذ يبحث فى أرجاء المكان عن سيارة

    تبعته بصمت وقد بدأ الهدوء يعود اليها, وغمرتها الطمأنينة عوضا عن الحنق الشديد من طريقته الجافة فى التعامل معها

    استطاع أخيرا العثور على سيارة سليمة فى احدى الجراجات لمنزل تهدم أغلبه

    سألته كاترين بدهشه: سياره سليمه وسط كل هذا الدمار ؟ !!

    علق قائلا بسخرية : يبدوا أنهم كانوا متعجلين فلم ينجزوا عملهم بدقه

    نجح الذئب فى جعل السيارة تدور بمهارة بدون المفاتيح (التى أضناهما البحث عنها) عن طريق سلكى التشغيل فى مقدمة السيارة

    قالت كاترين وهى تبتسم : أنت ماهر فى ذلك

    قال بسخريه : فعلتها مرات عديده فيما مضى

    انطلق بالسيارة مغادرا القرية التى أصبحت خرابا

    وفى الطريق أفصحت له عن السؤال الذى يدور فى رأسها : لم بدلت ملابسك العسكرية؟

    رد مباشرة : علينا أن نكون أكثر حرصا فى تحركاتنا, فلا يمكن أن نتوقع ما الذى يمكن ان نقابله فى طريقنا

    قالت بخبث وابتسامة ماكرة تنبت على شفتيها : أتخشى الروس؟

    قال بجدية : أخشى ألا يصل حملى الثقيل الى منطقة آمنة

    أشاحت بوجهها بعيدا بغضب وهى تشعر باستياء شديد لتلك الصفة التى أطلقها عليها

    زفرت بضيق شديد, وقالت بسخرية : أعلم الآن لم يسميكم الروس [ الشعب الذي لا يرهب الموت ].


    مرت فترة طويلة من الصمت والسيارة تقطع الأرض فى طريقها, حتى قالت كاترين أخيرا : أتعلم لم كنت أبحث عنكم؟

    عاد لصمته من جديد فقالت بخيبة أمل : لا تريد أن تعرف , ولكنى سأخبرك على الرغم من ذلك ....
    كنت أريد أن أعرف لماذا تقومون بتفجيرات وعمليات ارهابيه داخل المدن الروسيه؟

    أدارت وجهها للطريق من جديد وتنهدت بضيق وهى تعلم أنها لن تتلقى اجابه , وقالت بيأس: عدت لصمتك من جديد...

    فوجئت بصوته يصل الى أذنها وهو يقول : وهل تصدقينى ان تكلمت؟

    التفتت اليه بدهشه وقررت الا تضيع الفرصه وتجعله يتكلم فقالت له : لو لم أكن مستعده لأن أصدقك ما كنت سألتك

    قال : التفجيرات التى حدثت فى المدن الروسيه وخاصة للمدنيين ليس لنا يد فيها...فنحن لا نضرب الا قواعد عسكريه

    صمتت كاترين ولم ترد فقال : كنت أعلم أنك لن تصدقينى

    قالت بصدق : على العكس, أنا أصدقك أكثر مما تتوقع..
    لقد حصلت على معلومات مؤكده تنفى أن لكم يدا فى تلك التفجيرات ومن مصدر لا يخضع لأى شك ...
    من ضابط روسى فى فرقة (قرؤوا)

    عقد حاجبيه بشدة ونظر اليها مندهشا لكنها أكملت بجديه : لقد أخبرنى بلسانه أن هذه التفجيرات تم تنفيذها من قبل مجموعة خاصة من ( F.S.P) (المخابرات الروسية) ومجموعة من فرقة قرؤوا بإيعاذ من رئيس الوزراء لتغيير الرأى العام الروسى ليكون ضد شعب الشيشان ..وحتى يكون لديهم المبرر الكافى لخوض تلك الحرب واحتلال الشيشان وكذلك ليرتفع اسم رئيس الوزراء عاليا فى صفوف شعبه
    هل هذا هو ماكنت ستخبرنى به؟

    نظر اليها بدهشة ثم سألها فجأه : كيف استطعت أن تنتزعى منه كل تلك المعلومات التى تعتبر أسرارا عسكريه شديدة السرية

    قالت بغرور وهى سعيدة أنها استطاعت جذبه للحديث : كل صحفى وله طرقه الخاصة

    تغير وجهه ومط شفتيه ثم أدار وجهه للطريق وعاد لصمته

    لم تعجبها النظرة التى رماها بها فقالت بانفعال وكأنما تحاول الدفاع عن نفسها : لقد اعترف بكل ذلك وهو تحت تأثير الخمر ..وبعد أن أخذت منه كل المعلومات التى اريدها تركته مسجى على الأرض بعد تناوله جرعة كبيرة من الدواء المنوم الذى أحمله دائما فى حقيبتى , وغادرت المعسكر

    سألته مرة أخرى : أخبرنى ..كيف تحصلون على الأسلحه رغم أنكم ..تعتبرون دولة فقيرة؟

    رد مباشرة : أغلبها أسلحه روسيه نغنمها من معاركنا التى ننتصر فيها

    سألته بدهشه : وهل تنتصرون؟

    أردفت بسرعه : عفوا لكن مصادر الأخبار تقول ..

    قاطعها قائلا : من مصلحة الروس أن يهونوا من شأن انتصاراتنا ويخفوا خسائرهم حتى لا يثور الشعب ضدهم

    أردف بلهجة تمتلئ بالسخرية : يظن الرئيس الروسى أنه اللاعب الوحيد الذي بإمكانه أن يصرع المجاهدين الشيشان , وأن يكسر أنف الشعب الشيشانى, فبكل قسوة وعنفوان لاعب الجودو عمل على قمع الشعب الشيشاني, ونفذ بحقه حملته البشعة لـ"التطهير العرقي" حتى قتل من الشعب الصغير الذي يجاوز المليون بقليل أكثر من مائة وخمسين ألفا وشرد وهجر ما بين 200 و500 ألف مسلم شيشاني بحسب المصادر القوقازية الرسمية وغير الرسمية (أي نحو نصف عدد سكان الجمهورية على حد قول بعض المصادرالإنسانية)

    أكثر من نصف الشعب لا يجدون مأوى لهم , ويعانون من قلة الطعام وأحوال الطقس الشديدة وندرة الرعاية الصحية.

    ومع كل هذا الدمار, ظن أن الأمور تسير دوما لصالحه لكن الرياح لم تأت بما يشتهيه البحار الروسي , فالذى حدث خلال الأشهر القليلة الماضية أن كثرة رماح الروسلم تستطع أن تحن جباهنا,
    لاشك أن بعض أخبارالعمليات الفدائية الضخمة التى قمنا بها خلال الأشهر القليلةالماضية قد وصلتكم, على الرغم من أن الحكومة الروسية تعمد دائما الى اخفاء أرقام خسائرها الحقيقية

    قالت باسمة : لا أعتقد أن الروس بامكانهم اخفاء كل تلك الأعداد من القتلى من جنودهم, خاصة عندما يصل الأمر الى أرقام ذات صفرين وثلاثة حسب إحصاءات جمعية أمهات الجنود الروس
    والمصادر الرسمية الروسية

    قال ساخرا : ولكنهم لا يزالون يعتبرون أن هذا ثمن بخس لتطويع الجمهورية المسلمة الأبية الغنية بالنفط

    عقدت حاجبيها قائلة : قد يطول الأمر لسنوات حتى تستطيعوا اقناعهم بعكس ذلك

    قال بثقة : نحن أيضا لسنا متعجلين, إن طريق الإستقلال لايزال طويلا
    وهذا ما كان يدركه تماما الرئيس الشيشاني الراحل جوهر دوداييف عندما قال : "إن المعركة الحالية مع روسيا ستستمر50 سنة على الأقل لتحقيق الاستقلال الكامل"ورغم كل مكابرتها فلقد بدأت روسيا طريق الاندحار في الشيشان وهي في النهاية ستذعن, فسخونة معارك الصيف القادم ستذيب جليد الثلج الروسي

    كان صوته العميق يحمل الكثير وهو يقول بثقة لا حدود لها : على العالم ان يدرك -وروسيا من قبلهم- أن القضية الشيشانية لا يمكن للروس "حلها"عسكريا مهما فعلوا

    ---------------------------------------------

    تنفس عمر الصعداء عندما عبر الجنود من أمام باب البيت ولم يتوقفوا .. بل استمروا فى سيرهم وعندما ابتعدت أصواتهم
    خارت قواه وانزلق جسده الى الأرض وظهره للجدار ..أسند رأسه الى الجدار وأغلق عينيه وهو يلهث بقوه

    وجلست زهره الى جواره وهى لاتزال ممسكة بيده وبيدها الأخرى مسحت حبات العرق التى تناثرت فوق جبينه وهى تقول بحنان : عمر ..هل أنت بخير الآن؟

    أخذ نفس عميق .وهز رأسه موافقا و قال بعد تردد : نعم ..ولكن عليك أن تغادرى جروزنى الليلة

    هتفت باعتراض : ولكن...

    قاطعها بانفعال : ألا تدركين الخطر المحدق بك؟
    انهم يبحثون عنى كالكلاب المسعورة..وأنا...أنا...

    صمت قليلا وأدار وجهه بعيدا عنها حتى لا ترى الضعف فى عينيه
    قالت بصوت بالغ الحنان : عمر..ما بك؟

    قال بعد تردد : ..أخشى ..أخشى..أن يحترق قلبى وأفقد زهرة فؤادى ..
    قد أتحمل كل عذابات الحياه لكنى لن أستطيع أن أتحمل أبدا أن تذبل زهرة روحى ..

    نظر فى عينيها من جديد محاولا أن يستمد منهما القوه

    فقالت بعد تفكير : عمر.. ان احترقت زهرة , فجبال بلادنا تنبت أجمل واندر الزهور

    قال بحنين : ولكن قلبى لا يسع سوى زهرة واحده

    ابتسمت بحب : وستظل تحيا فى قلبك ترتوى من حبك لهذه الأرض

    أكملت فى شجاعه : لا تقلق علىّ ..سيصبح كل شئ بخير ان شاء الله

    قال برجاء : زهره, يجب أن تغادرى جروزنى من أجلى, لن أتحمل أن أكون هناك وقلبى يتمزق من القلق عليكى فى كل دقيقة
    عدينى أنك سترحلى مع قوافل المهاجرين أنت وأمك وأخوتك.
    ولا تنسى أنك على وشك وضع طفلنا الأول

    تنهدت باستسلام ثم قالت وهى تبتسم بحب : ماذا أقول ...لا أستطيع أن أخالف أمر زوجى, سأغادر غدا مع قوافل المهاجرين

    ابتسم ابتسامة كبيرة وهو ينظر الى بطنها المتكور الذى يحمل طفلهما الأول ووضع كفه عليها وقال : وانت أيها الولد الشقى ..كن رجل البيت , ولترعى أمك فى غيابى..هل تفهم؟ كن ولدا مطيعا

    خفتت ابتسامته وتنهد بقوه وهو يقول : لن يطول الأمر , سأعمل على أن نعود الى بيتنا سريعا


    اشتعلت عينيه ببريق غاضب شديد الشراسه : لن ندعهم يهنئون فيها...سنخرجهم منها صاغرين

    ...............................................


    انتفض الذئب مستفيقا من ذكرياته عندما لمع ضوء سريع قوى على وجهه ونظر الى كاترين فوجدها تبتسم والكاميرا على عينها فقال بغضب : صورتى ليست للنشر

    أنزلت الكاميرا ببطء وهى تبتسم وتقول : أعلم..اطمئن فهذه الصورة ليست للنشر, فقط أحببت أن أحتفظ بصورة لذئب أنقذ حياتى

    نظر الى الطريق بصمت, وشاركته صمته, حتى بدأ يهدئ من سرعة السيارة تدريجيا

    التفتت اليه فوجدته قد عقد حاجبيه بقلق وهو ينظر بعيدا

    قالت حينما انتقل اليها قلقه : ماذا حدث؟

    قال مباشرة : هذا ما كان ينقصنا, حاجز تفتيش

    لم يجد الذئب مناصا من التقدم, فتقدم بالسيارة نحو حاجز التفتيش المقام على الطريق

    أخذت كاترين تتأمل المشهد والقلق يزداد بداخلها

    طابور طويل من السيارات يتوقف أمام حاجز التفتيش الذى يقف عنده مجموعة من قوات الأمن الروسية وتقوم بتفتيش السيارات وتفحص أوراق وهويات العابرين على الطريق

    انضم الذئب قسرا الى طابور السيارات, ولم يلبث أن اقترب منه أحد الجنود وطلب منه مغادرة السيارة هو ورفيقته, كما فعل مع جميع السيارات

    غادرا السيارة باستسلام والقلق ينهشهما واقتربت كاترين منه وسارت بجواره وكأنما تحتمى به, وشعر هو بخوفها فقال بهمس وهو يسير بخطوات متمهلة : اطمئنى, سأتحدث اليهم, أعلم تماما مايريدونه

    فكرت كاترين قليلا ثم قالت عندما اعطتها شجاعته الكثير من الطمأنينة : دعنى أحاول معهم, لا تنسى اننى صحفية ولى طرقى الخاصة

    قال بسخرية ضايقتها : منوم أيضا؟

    رفعت احدى حاجبيها بضيق وقالت : لدى اشياء أخرى أكثر فاعلية,

    قالت وهى تتقدم : انتظر هنا فقد يرتابون بأمرك,سأذهب أنا اليهم

    اجاب بصرامة وهو يضغط حروف كلماته مؤكدا : خلفك تماما

    التفتت اليه بدهشة وقالت وهى تبتسم : حقا. مسلم !

    لم تنتظر كاترين تعليقا منه على عبارتها, ولم يهتم هو بالتعليق بل تجاهل الأمر تماما, فقد كان ذهنه مشغول بالجنود وهم ينظرون اليهما وهما يتقدمان نحوهم

    استجمعت كاترين شجاعتها وابتسمت وهى تتحدث الى جنود قوات الأمن الروسية

    لكنها فجأة شعرت بالخوف, كانت ردود أفعالهم غير متوقعة ابدا بالنسبة لها

    فقد ظهر فى وجوههم القلق والإرتياب, وبات واضحا لها عدم راحتهم لتواجد اثنين من الصحفيين فى ذلك المكان

    وعبثا حاولت كاترين اقناعهم بالسماح لهما بالعبور للحاق ببقية الصحفيين

    وارتعد قلبها رعبا عندما أمرها أحد الجنود ان تتنحى جانبا لحين التأكد من هويتهما وصدق روايتهما

    واستسلمت كاترين وتبعت الذئب الذى انتحى جانبا وسار يفكر فى موقفهما الدقيق وهى بجواره حتى انضما الى مجموعة العابرين الذين غادروا سياراتهم بأمر من الأمن

    جلس الذئب يراقب الموقف بهدوء وجلست كاترين بجواره والخوف يكاد ان ينتزع قلبها من مكانه برغم محاولاتها المستميته لترسم على وجهها تعبيرا طبيعيا

    قالت بصوت هامس : ماذا سنفعل الآن ؟

    قال بثقة شديدة : اطمئنى, حفنة من المال ستسوى الأمر على نحو جيد

    أذهلها هدوءه الشديد فى ذلك الموقف الصعب وأخذت تنظر اليه نظرات تمتلئ بالإعجاب,
    ولكنه لم يلاحظ نظراتها فقد كانت عيناه مشغولتان بمراقبة المكان وعقله يحسب حسابات الموقف الراهن بسرعة
    تنهدت باحباط عندما ادركت انه لا يعيرها ادنى اهتمام برغم حرصه الشديد على حياتها

    أدارت وجهها تتأمل فيمن حولها

    كان المكان يمتلئ باعداد كبيرة من الشيشانيين ينتظرون الجنود ان يفرجوا عنهم وعن اوراقهم, وبسرعه أخرجت الكاميرا من حقيبتها وبدأت تلتقط الصور

    لكنها توقفت فجأة عندما هتف أحد الجنود وهو يقترب منها بسرعة : ممنوع التصوير, ممنوع التصوير

    أراد أخذ الكاميرا منها, لكن الذئب تدخل ووعده بعدم التصوير, ولم يتركها الا عندما أقنعه بأن أخذ الكاميرا قد يفسر على انه اعتداء على حرية الصحافة وقد يسئ لسمعة روسيا بأكملها

    دست كاترين الكاميرا فى حقيبتها وهى تكاد تنفجر غيظا, وشغلت نفسها بتأمل ما حولها والتحدث الى الناس وتكوين صورة متكاملة عن الوضع فى تلك البلاد وأحوالها

    جذب عينيها طفل صغير فى حوالى السادسة يجلس بالقرب منها وبجواره رجل كهل يبدو عليه الضجر الشديد,

    اقتربت كاترين من الصغير وبدأت تداعبه بحنان وتمسح على شعره, ثم أخذت تحادث الرجل الكهل حديث طويل,

    كانت فرصة لا يمكن ان تضيعها كصحفية للإقتراب من هؤلاء البشر ومعايشة واقعهم على الطبيعة ومعرفة المزيد عن مأساتهم عن قرب

    نظر الذئب قليلا اليها وهى منهمكة فى الحديث مع الرجل, وتداعب الطفل بحنو, ثم ادار وجهه واخذ يتفحص وجوه البشر من حوله والتى يحكى كل منها دون كلام قصة مأساه يحياها كل يوم من قلة الغذاء وتدنى الخدمات الى انعدام الأمن

    فجأة علا فى المكان صوت سيدة تتحدث بحدة وغضب, التفت الي الصوت ليجد سيدة شيشانية تقف امام جنديين ومشتبكة معهما فى مشادة حادة

    تأمل السيدة التى توليه ظهرها, وقفزت الى رأسه صورة زهرة

    فقد كانت السيدة تشبهها كثيرا من الخلف وهى ترتدى حجابها

    بدأت الدماء تغلى فى عروقه وتتصاعد الى رأسه عندما رأى الجنديين يتعمدان مضايقة السيدة والتحرش بها

    انتفض قائما من مكانه وتقدم من السيده وصورة زهرة لاتفارق قلبه, وقف أمام الجنديين مباشرة وحال بجسده بينهما وبين السيدة, وأخذ يتحدث اليهما بهدوء بصوت لم يصل الى كاترين التى وقفت تراقبه من بعيد بخوف وقلق

    ازداد خوفها وهى ترى الجنديين يدفعانه فى صدره ولكنه لم يمد اليهما يدا, بل عاد يتحدث اليهما من جديد, بهدوء
    لكن احد الجنديين اقترب من السيدة وبدأ يضايقها من جديد

    وحاول الذئب ابعاده عنها بالحسنى بلا جدوى

    وتفجر الموقف فجأة نيرانا ملتهبة مع صرخات مستنجدة أطلقتها السيدة عندما نزع الجندى حجابها من فوق رأسها بعنف وبصورة مفاجأة, ووجدت كاترين الذئب يهجم على الجندى بغضب هادر ويكيل له اللكمات العنيفة

    تراجعت عدة خطوات للوراء برعب وجسدها كله يرتجف عندما أخرج الجندى الثانى سلاحه وصوبه نحو الذئب المشغول بعراكه مع الجندى الأول

    وفجأة اندفع الكهل الذى يصاحب الطفل الصغير يجرى بسرعة, ودفع الجندى الممسك بالسلاح فى صدره, مما جعل الرصاصة تخطئ طريقها الى ظهر الذئب وتطيش فى الهواء

    وازداد الموقف اشتعالا عندما انضم عدة رجال آخرين الى الذئب والكهل فى معركتهما مع الجنديين

    واتى بقية الجنود يطلقون أسلحتهم بغزارة

    وفجأة تشبثت كاترين بالطفل الصغير الواقف بجوارها, واحتضنته بقوة, وأصابها ذعر شديد

    لم تكن تدرى لحظتها هل تحاول أن تحمى الطفل أم تحتمى به؟

    وجد الذئب نفسه فى قلب النيران هو ورفاقه المدنيين الذين انضموا اليه برغبتهم

    وتساقط قتلى من المدنيين الشيشانيين, وتفجرت الساحة بالدماء

    مما دفع الذئب ان يرفع كفيه فوق رأسه ويصرخ بأعلى صوته : لا تطلقوا النار, نحن نستسلم

    أدرك الذئب بخبرته فى التعامل مع الروس أنهم لن يتوقفوا الا عندما يصير المكان حماما من الدماء, كان يخشى على النساء والأطفال المتواجدين فى المكان

    وبرغم ان الرجال الذين انضموا اليه دون ترتيب لم يكونوا يعرفونه, الا أنهم توقفوا على الفور عن القتال وكأنهم تلقوا ذلك الأمر من قائد لهم

    وتوقفت أيضا النيران الروسية بعد أن خلفت عددا من القتلى, واقتادوا المجموعة الباقية المتمردة تحت تهديد السلاح الى بيت قريب كانوا قد أخلوا سكانه قسرا ليتخذوه مقرا لهم

    وسار الذئب بين طابور الأسرى مستسلما ويده فوق رأسه,وعيناه تدوران فى المكان بحثا عن كاترين, وبمجرد أن رآها أشار اليها برأسه اشارة تعنى أن تذهب بالسيارة وتتركه لمصيره

    ظلت كاترين ترتجف وهى تحتضن الصغير بقوة وبدأ الجنود فى صرف الناس حتى لا يحدث تمرد آخر

    وانصرف البشر وقلوبهم تتميز من الحقد والغضب, وجوارحهم المكبلة تتمنى الإنتقام

    بدأت كاترين بالتحرك وهى تبحث عن الكهل الذى يصحب الصغير, ولكنها كادت تخر على وجهها رعبا عندما وجدته بين الجثث المفترشة الطريق, وفى أثناء ارتدادها للخلف, كادت تتعثر بجثة اخرى, جثة المرأة التى بسببها, قامت تلك المذبحة

    احتضنت الطفل باشفاق كبير وادارت وجهه الى كتفها حتى لا يرى ذلك المشهد الرهيب, ودموعها تتفجر بغزارة

    واستسلم الصغير لها وأسند رأسه الى كتفها, لكن لدهشتها لم يبكى,

    لم يبكى أبدا


    ...................................................................................................
    بدأت الشرطة الشيشانية تتوافد الى المكان, وكاترين تتراجع وهى تحمل الصغير المتعلق بعنقها

    انتفضت فزعا عندما اصطدمت بأحد الأشخاص, والتفتت بحدة لتجده أحد رجال الشرطة الشيشانية

    حاول ان يهدئ من روعها, وسألها عما حدث, فقصت عليه كل شئ وأخبرته ان صديقها معتقل هناك فى ذلك المنزل,

    طمئنها الشرطى ووعدها بانه سيحاول اخراجه من هناك, ثم طلب منها طلبا غريبا,

    طلب منها ان تقود السيارة وتنتظره على الطريق بعد مائتى متر

    لا تدرى كاترين كيف عادت الى السيارة ومعها الصغير ولا كيف قادتها وجسدها يرتجف من الرعب, والأعجب انها لم تدرى كيف وثقت بذلك الشرطى وأطاعته وانتظرت فى السيارة فى المكان الذى حدده لها,

    ربما لأنها لم تكن تمتلك اى حل بديل, أو ربما لأن الرعب قد شل تفكيرها,

    جلست فى السيارة تنظر للصغير الذى استكان تماما فى المقعد المجاور لها وأدار وجهه الى النافذة ينظر الى السماء

    تنهدت كاترين باشفاق كبير لهذا الصغير الوحيد, وتساءلت فى نفسها : لماذا لا تبكى؟

    هل تكرر ذلك المشهد كثيرا أمام عينيك حتى لم يعد يثير فيك مشاعر الفزع؟

    هل جفت دموعك من كثرة المعاناة والألم؟

    اسندت رأسها الى المقعد باستسلام وتنهدت بقوة وهى تسترجع صورة الذئب والجنود يقتادونه مع الأسرى, وبدأت تشعر بألم كبير فى قلبها وهى تتذكر كيف كان حريصا عليها, وكيف أنقذ حياتها, وهى الآن عاجزة تماما عن تقديم أى معونة له

    تمتمت بأسى : ترى ماذا يفعلون بك الآن؟ ..

    أغمضت عينيها وأردفت بحزن وهى تتذكر ملامح وجهه : هل سنلتقى ثانية؟

    طال الوقت عليها وهى جالسة فى السيارة تنتظر...

    تنتظر ماذا؟


    لاتدرى..

    ........................................................

    (15)

    انتفضت فجأة بفزع شديد عندما فتح باب السيارة المجاور لها, ثم انقلب الفزع الى دهشة عارمة عندما وجدت الذئب أمامها
    انتقلت الى المقعد المجاور بسرعة مفسحة له كرسى السائق, وتلقت الصغير على ساقيها وهى تتأمل الذئب وهو ينطلق بالسيارة بصمت وبسرعة كبيرة, وهى لا تكاد تصدق ما يحدث

    كيف نجا من الأسر؟

    شغل هذا السؤال تفكيرها تماما وهى تتأمل ملامحه الجامدة ووجهه الذى لم يلتفت اليها ابدا منذ ان انطلق بالسيارة

    هتفت اخيرا بعد ان تمالكت اعصابها : كيف...كيف هربت؟

    قال باقتضاب زاد من حيرتها وفضولها : تلقيت بعض المساعدة

    ضاقت عيناها بشدة وقالت متسائلة : الشرطى الشيشانى..أليس كذلك؟

    هز رأسه موافقا دون ان يتكلم, مما زاد من فضولها وغيظها من صمته

    فهتفت بغيظ : ألن تخبرنى بالتفاصيل؟

    قال بصرامة : التفاصيل ليست ذات أهمية
    لقد ساعدنى على الهرب وكفى
    المهم الآن أننا مطاردون, وعلينا الوصول لمكان آمن قبل أن يصلوا الينا

    استشاطت كاترين غيظا من أسلوبه الكتوم وعدم بوحه بتفاصيل هروبه والتى تتحرق فضولا لتعرفها

    ولكنها أدركت من سابق تعاملها معه أنه ليس هناك قوة فى الأرض تجبره على الكلام مالم يكن راغبا بذلك
    فآثرت الصمت على مجادلة عقيمة معه وأدارت وجهها الى النافذة المجاورة لها وهى تزفر بضيق شديد

    لكن الذئب التفت اليها متسائلا : من هذا؟

    نظرت اليه بدهشة وقالت ساخرة : لاحظته أخيرا !
    انه الطفل الذى كان بصحبة الكهل الذى انضم اليك عند حاجز التفتيش

    امتلئت عيناه بالأسف الشديد وهو يتأمل الطفل الذى استكان تماما بين ذراعى كاترين وبادله الصغير نظرات طويلة لم يستطع أن يتحملها فأدار وجهه الى الطريق بصمت

    أكملت كاترين بلهجة غلب عليها الأسى : تعلق بعنقى, وعجزت عن تركه هناك وحيدا بعد أن فقد مرافقه

    تعجبت كاترين كثيرا عندما نظر اليها الذئب ولأول مرة نظرة طويلة وحارت تماما فى تفسير تلك النظرة هل هى اعجاب, أم امتنان لما فعلته مع أحد اطفال بنى قومه

    أدار وجهه الى الطريق من جديد بصمت

    قالت بعد أن عاد اليها الهدوء : علينا أن نعيده لأهله

    قال باقتضاب : وهل تعرفينهم؟

    قالت : أخبرنى الرجل الكهل أنهم فى المستشفى الجنوبى
    الغريب أنه هو ايضا لا يعرف أهله, لقد تولى مسؤلية اعادة الطفل لأهلة بعد أن اعتقلوا أمه فى جروزنى

    عقد الذئب حاجبيه ولاح فى وجهه الألم, ثم عاد من جديد يتأمل ملامح الصغير ولانت عضلات وجهه بالحنان

    ابتسمت كاترين قائلة : لم يرفع عينيه عنك منذ رآك, ترى , هل وجودك يشعره بالأمان؟ أم أنه ينظر اليك كمثل أعلى يتمنى أن يصبح مثله؟

    أردف بلهجة حزينة : أو ربما كمجرم سلبه الأمل الوحيد المتبقى لديه ليعود الى أهله

    قالت كاترين بتعاطف : على العكس, لو كان هذا هو مايدور بذهنه لرفض البقاء معنا, لقد كنت أراقبه جيدا, كان منجذبا اليك من قبل أن تبدأ تلك الأحداث الرهيبة عند الحاجز

    قالت بتعجب : مازلت لا أفهم...كيف ألقيت بنفسك فى ذلك الموقف الرهيب؟ لقد نجوت بأعجوبة
    أتزج بنفسك الى الهلاك من أجل امرأة لا تعرفها؟

    قال بجدية : وماذا لو كانت تلك المرأة هى انت, أما كنت تتمنين أن يسعى اى انسان لإنقاذك؟

    تفجرت نظرات الأعجاب الغامر من عينيها وارتسمت ابتسامة عاطفية على شفتيها وهى تقول بصوت يمتلئ بالعاطفة : أتمنى من كل قلبى لو كان هذا الإنسان ......هو أنت,

    تنهدت بيأس عندما تجاهل الذئب مشاعرها الممتلئة بالإعجاب ولم يلتفت حتى اليها بل بقى صامتا وعيناه مشغولتان بالطريق,

    قالت بعد صمت ولازالت الصدمة تؤثر فيها : لازلت عاجزة عن استيعاب ماحدث, لقد حدث الأمر بسرعة كبيرة وبشكل دموى يفوق حد التصور
    لم يكن الأمر يستدعى كل هذا العنف

    قال الذئب باقتضاب : (Up Mopping)

    كاترين بدهشة : ماذا قلت؟

    كرر الذئب : ((Up Mopping الكنس أو المسح"
    وباللغة الروسية (zakhistki ).

    كاترين باهتمام : وماذا يعنى ذلك؟

    الذئب : (الكنس, أو المسح)هى الخطة التى وضعها الكرملين ووزارة الدفاع للتعامل مع الشيشان

    وتقضي هذه الخطة بقيام قوات الأمن الروسية بتمشيط ومسح القرى والبلديات التي تمثِّل أماكن يشتبه بأن بها مقاتلين والقضاء عليهم في أماكنهم، فلا وقت لديهم للاعتقالات،

    ثم تقام حواجز تفتيش يتم من خلالها اعتقال كل من يحاول الخروج، وإدخاله ما يعرف بمعسكرات الفرز,
    أو(filtrationcamps ) والتي تحولت بدورها إلى معسكرات تصفية،

    يتم من خلالها القضاء على من يشتبه في انتمائه للمقاتلين، وإطلاق سراح من تبقى
    وذلك بالطبع مقابل رشوة مالية تدفع للجنود والضباط.


    عقدت كاترين حاجبيها وقالت بدهشة عظيمة : أذكر أن منظمة العفو الدولية أصدرت تقرير موجز قالت فيه

    (إنها عثرت على نمط جديد من انتهاكات حقوق الإنسان في منطقة شمال القوقاز، فبعض الأشخاص يُعتقلون بصورة تعسفية ويُحتجزون بمعزل عن العالم الخارجي، وهناك يتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة لإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يقترفوها.
    وبمجرد توقيعهم على "اعتراف"، يُنقلون إلى مكان احتجاز آخر، حيث يُسمح لهم بالاتصال بذويهم وبمحامين من اختيارهم، إلا إن الاعتراف يبدو "دليلاً" كافياً لضمان إدانتهم.)

    شردت كاترين بعيدا ودار فى رأسها شريط طويل من الذكريات وهى تسترجع كل ما رأته وكل مامر بها منذ أن دخلت أرض الشيشان وقالت ببطء : هل كان هذا هو مصيرك المحتوم لو لم يتدخل ذلك الشرطى لإنقاذك؟

    أجابها صمته بأكثر مما كانت تريد

    أسندت رأسها الى المقعد وأغمضت عينيها وكأنما لا تصدق : الآن فقط فهمت, إن "الحرب على الإرهاب" التي تشنها روسيا ما هى الا ذريعة لتبرير الانتهاكات المنظمة لحقوق الإنسان فى الشيشان

    تنهدت بعمق وهى ممتنة فى أعماقها أنها نجت من ذلك المصير المظلم

    قالت والدهشة لم تزايلها بعد : تساءلت كثيرا عن السبب الذى يضطر صحفية روسية كآنا بوليتكوفسكايا أن تقول فى صحيفة "نوفايا جازيت" أن دور قوات الأمن في الشيشان يتميز بالفوضى واللاقانون, لا يوجد أي قرار من أجل تنظيم عمل هذه القوات في الشيشان، ويبدو أن القرار الوحيد الذي اتخذ هو السماح لهذه القوات بفعل أي شيء"

    قالت بعد صمت طويل : أخبرنى ..لم يطلقون عليك الذئب ؟

    قال بهدوء: لست وحدى الذئب .. كلنا ذئاب

    قالت وهى تبتسم : أقصد لم اتخذتم الذئب شعار لكم؟

    قال بعد صمت : هناك أسطورة في ثقافتنا تقول :

    أنّ عاصفة هوجاء تهبّ،

    فيخاف منها الناس والحيوانات،

    فتدمّر العاصفة كلّ شيء حتى لا يجد الناس مكانًا يجتمعون فيه،

    فالشجر قد اقتلع من جذوره،

    والبيوت قد تهدّمت،

    ويبقى ذئب وحيدا يقف بشموخ على صخرة ناظرًا إلى العاصفة،

    فيتشبث الذئب بمكانه دون حراك،

    حتى عندما ينسلخ جلده يبقى صامدًا لا يتحرّك ولا يصرخ عند الموت,

    ويبقى محدقًا بعدوّه إلى أن يموت




    وهذا هو حال الشيشانيّ، فهو سيبقى على الجبل ينظر إلى الموت المحيط به دون أن يخاف منه

    لهذا يشبّه المقاتل الشيشانيّ نفسه بالذئب ويعتدّ بصفاته التي يتميّز بها،

    فجعله فى علم الشيشان شعارًا له جالسًا على صخرة تحتضوء القمر وحيدًا, للدلالة على عزلة الشعب الشيشانيّ من بقيّة الشعوب،



    ان الذئب يستحيل ترويضه, تماما كالشعب الشيشانى .

    وهو مخلص لشريكه، ويساهم الذكر في تربية الجراء.

    وهو الحيوان الوحيد الذي يزداد شراسة مع التقدّم في العمر.

    و يكون في قمّة شراسته عندما يجرح.

    ولا يصرخ عند الموت, ويبقى محدقًا بعدوّه حتى يموت.

    صمت قليلا, ثم أردف بلهجة عميقة اهتز له فؤادها : هكذا الشيشانى


    صمت قليلا, ثم أردف بلهجة عميقة اهتز له فؤادها : هكذا الشيشانى

    قالت بسرعه حتى لا يعود لصمته وقد سرها كثيرا جذبه للحديث : كيف احتلت القوات الروسيه الشيشان؟

    طال صمته لكنها لم تيأس من أن تجعله يتكلم فقالت : أريد أن أعرف الحقيقه

    قال بهدوء: وبعد أن تعرفى الحقيقه؟

    قالت بدهشه : أنشرها للعالم

    قال بسخريه مريره : وهل سيغير هذا من الواقع ؟

    عاد لصمته من جديد فقالت بدهشه : الا يهمك أن يعرف العالم الحقيقه ..أن يفهم قضيتكم ..أن يتدخل لحلها؟

    قال : وهل تعتقدى أنهم لا يعرفون؟..انهم يعرفون منذ زمن بعيد ..منذ أول مرة اقتحم فيها الروس الشيشان بعد استقلالها عام 1994 وأجبرناهم على الخروج من أرضنا أذلاء عام 1996

    خرج الروس ومنهم من يبكي من مرارة الهزيمة التي لحقت بهم على أيديقلة من المجاهدين ، وقد كان الخروج بعد المفاوضات التي جرت بين الجنرال ليبد الممثلعن الحكومة الروسية ووزير الدفاع الشيشاني ،

    ARSHTGHOY
    عضو فعال
    عضو فعال

    عدد المساهمات : 99
    نقاط : 153
    تاريخ التسجيل : 26/10/2009
    الموقع : رأس العين

    رد: رواية عودة الذئب الحلقة الخامسة

    مُساهمة من طرف ARSHTGHOY في الأربعاء فبراير 10, 2010 9:23 pm

    شكرا لك وشي على النقل الموفق
    دمت بخير

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أبريل 26, 2018 9:43 am