القفقاس ابداع

الهدف من المنتدى التعريف بشعوب القوقاز وتواصلها مع الشعوب الشرقية كما يساهم في تواصل الشباب والشابات وزيادة معرفتهم بالعائلات الشيشانية والداغستانية والشركسية ويعرض آخر أخبار الوطن والعالم ويعطي مجال واسع للشباب والشابات في طرح أفكارهم وآرائهم

بعد تفجيرات موسكو وقطار داغستان وانغوشيا روسيا تنتضر المزيد واستنفار هائل لقوة الامن الروسية

المواضيع الأخيرة

» صور من تصميماتي
الجمعة فبراير 28, 2014 12:40 pm من طرف zaid varouqa

» الوطن-في-أدب-الشراكسة-العربي-والمعرب-د.-إيمان-بقاعي
الجمعة فبراير 28, 2014 12:35 pm من طرف zaid varouqa

»  القاموس الشركسي جديد
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:22 pm من طرف zaid varouqa

» تشيركيسك
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:18 pm من طرف zaid varouqa

» قدماء الأديغة
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:16 pm من طرف zaid varouqa

» جهاد واستشهاد شركسي ضد الاحتلال الفرنسي لسوريا
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:15 pm من طرف zaid varouqa

» عيد الدغاغازة
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:14 pm من طرف zaid varouqa

» الشاعر عادل بيرسنق الشيشاني
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:13 pm من طرف zaid varouqa

»  اكتشافات أثرية في جبال شمال القوقاز
الأحد سبتمبر 08, 2013 5:11 pm من طرف zaid varouqa


    رواية عودة الذئب الحلقة الاخيرة

    شاطر
    avatar
    الذئب الوحيد

    الحمل
    عدد المساهمات : 20
    نقاط : 61
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010
    الموقع : مصر

    رواية عودة الذئب الحلقة الاخيرة

    مُساهمة من طرف الذئب الوحيد في الخميس فبراير 04, 2010 7:13 pm

    وقد صرح الجنرالات الروس للوفد الشيشاني : أننا سوف نعود إلى الشيشان ولو بعد خمسين سنة .

    ولقد صدقوا.....وعادوا مرة, ومرات, وكلما أخرجناهم, يعودوا من جديد

    وفى كل مرة يكررون نفس السيناريو بحذافيره ..يتحرشون بنا, ويعملون على اثارة الفتن والقلاقل ويحاولوا اغتيال الزعماء وقادة الجهاد ليحطموا معنوياتنا ويزرعوا عناصر من استخباراتهم داخل المجاهدين ويمارسوا علينا حصارا اقتصاديا شديدا بهدف تجويعنا , ويمنعونا من التعامل مع العالم الخارجى

    وهكذا يمهدوا الطريق أمام التدخل العسكرى ..بعدها يقوموا بعمل سلسله من التفجيرات والعمليات الإرهابيه فى روسيا يتهمونا بها..وهكذا يكون المبرر أمام شعبهم وجنودهم وأمام العالم لغزونا موجود

    قالت بدهشه : ولكن لماذا أنتم بالذات؟

    قال بغضب : يريدون استغلالنا والاستفادة من النفط الشيشاني، ومن المناطق الزراعية والصناعية في الشيشان
    كما أن الشعب الشيشانى من أبغض الشعوب إلى الروس، كما تذكر الأساطير والروايات الروسية.
    يحلمون بتكوين إمبراطورية روسية على غرار أوروبا الموحدة وهذه الإمبراطورية لا مكان للإسلام فيها

    هتف بمرارة : العالم كله يعرف ويبارك المجازر والإنتهاكات الروسيه فى حقنا
    فى الحرب السابقة والتى قبلها, والتى قبلها, كم أعطونا من مواعيد لإيقاف الحرب دون أن نرى تحركا حقيقيا على الساحه مثل ما تحركت قوات الناتو خلال 48 ساعه فقط واتخذت قرارات صارمه فى تيمور الشرقيه منذ سنوات عديده .....ولكن

    نحن....مسلمون

    قال الكلمه الأخيره بسخريه لاذعه شديدة المراره

    همت أن تقول شئ ...

    لكنه سبقها قائلا : اقتربنا من القرية, سنبيت ليلتنا هنا فى مكان آمن, لدى عائلة شيشانية, فلا شك أنكما متعبان وجائعان

    قالت باسمة : وأنت أيضا, أم أنك لا تجوع؟

    قالت عندما لم يرد عليها : هل هذه العائلة هى احدى المساعدات التى قدمها لك الشرطى الشيشانى؟

    قال بهدوء : الكثير من عناصر الشرطة الشيشانية متعاطفون مع القضية ومع المجاهدين, بل ان بعضهم سعى بنفسه للعمل فى الشرطة فى محاولة منه لتسخير جهوده فى مساعدة المجاهدين والتخذيل عنا

    قالت باسمة : كما حدث اليوم!

    لم يجيب ولكنه قال : وصلنا الى البيت المقصود

    كان الظلام قد زحف على المنطقة كلها عندما دخل الثلاثة الى احدى منازل القرية الصغيرة

    من أول لحظة وضعت كاترين قدمها فى ذلك المنزل وشعور عجيب بالراحة والأمان يغمرها

    فبرغم موقفهم الدقيق ومطاردة الروس لهم, وقلقها من أن ينكشف سرهم أو أن يقوم أى شخص بالإبلاغ عنهم
    وبرغم عدم سابق معرفتهم بأهل هذا البيت, الا أنها تعجبت تماما من كم الحفاوة والترحيب الذى غمرهم منذ أن وطأت أقدامهم ذلك البيت القروى الصغير

    فالسيدة ربة البيت قامت بنفسها بالترحيب بهم وتقديم الطعام لهم, وابنها آدم الفتى الوسيم الملتحق حديثا بالجامعة وقف على خدمتهم والعمل على راحتهم

    وعندما التف الجميع حول المائدة الزاخرة بالطعام الساخن الشهى. أخذت الأم الطيبة الطفل الصغير وأجلسته على ساقيها وبدأت تداعبه بحنان وتطعمه بيديها

    لكن دهشتها كانت كبيرة عندما رفض الطفل أن يفتح فمه, أو يتناول أى طعام

    نظرت الأم لكاترين بدهشة وسألتها : ألن يأكل؟

    زفرت كاترين وقالت باحباط : لا أدرى كيف أتصرف..أخشى أن يكون مصاب بصدمه أو شئ من هذا القبيل, فهو لم يفتح فمه منذ أن التقيته, حتى أننى لا أعرف حتى الآن ما اسمه

    مسحت الأم على شعر الصغير بحنان وحاولت اطعامه من جديد

    لكن الصغير أبى

    نقلت الأم عينيها بين الصغير والذئب, وقالت له : ربما لو رآك تأكل فقد يأكل

    نظر اليها الذئب بدهشة وقال متسائلا : أنا؟

    هزت رأسها قائلة : نعم, فهو لم يكف عن مراقبتك منذ أن جلست الى المائدة

    ابتسمت كاترين مؤيدة : ألم أقل لك؟انه لا يشعر بالأمان الا فى وجودك

    دارت عيناه فى وجوههم, ثم مد يده أخيرا الى الطعام وبدأ يأكل عندما وجد الجميع ينظر اليه فى انتظار أن يأكل

    ولكم كانت دهشته عظيمة عندما فتح الصغير فمه هو أيضا وبدأ يأكل

    ابتسمت الأم برضا واطمئنان, وهدأت كاترين وأخذت تستمتع بطعامها بهدوء بعد أن اطمأنت على الصغير

    أما عمر فأخذ يتأمل ملامح الصغير مندهشا, من تلك النظرات العميقة الصامته التى يختصه بها دون الآخرين

    لكن شعور ما انتابه فجأة وجعله يعجز عن تحمل نظرات ذلك الصغير فدفن بصره فى الطعام بصمت

    بعد الطعام, جلس الجميع فى البهو الواسع يتسامرون بود حول المدفأة والتلفاز, وانضم اليهم الجد الكبير, الذى تجاوز الثمانين بأعوام عديدة

    ودار الحديث حول أحوال القرية وأحوال البلد عموما, ولأشد ما أدهش كاترين أن أى منهم الجد أو الأم أو حتى الفتى آدم لم يسألونهما عن اى شئ أو عن سبب مقدمهم فى ذلك الوقت واكتفوا بما قاله الذئب لهم من أنهما صحفيان ضلا الطريق وساعدهما الشرطى الشيشانى وأعطاهما هذا العنوان ليبيتا ليلتهما, ويلحقا فى الصباح ببقية الصحفيين

    لكن الصمت هبط فجأة على الجميع عندما بثت نشرة الأخبار فى التلفاز نبأ الأحداث الدامية التى حدثت اليوم عند حاجز التفتيش, وانتبهت كاترين بشدة وعقدت حاجبيها باهتمام كبير عندما سمعت المذيع يقول أن ثلاثة من الإرهابيين هربوا من الموقع بعد أن قتلوا اثنين من قوات الأمن الروسية وجرحوا خمسة

    وهبط قلب كاترين فى قدميها وسكن الرعب خلاياها عندما قال المذيع أن قوات الأمن الروسية تبحث عن رجل وامرأة انتحلا صفة صحفيان

    نظرت السيدة فى وجه كاترين ولاحظت قلقها الشديد وفهمت بذكائها سبب القلق الذى اعتراها فقالت مطمأنة : لا أظن أن باستطاعتهم الإمساك بالصحفيين, فلا شك أنهما ابتعدا تماما عن المكان وربما يكونان الآن فى مكان آمن يعجز أحد عن الوصول اليه

    نظر اليها الذئب بامتنان كبير وقال بلهجة ذات مغذى : وربما يبيتان ليلتهما فى أمان بين أناس طيبون

    هدأت كاترين تماما وشعرت بالأمن يحيط بها من جديد وهى تتأمل تلك الوجوه الودودة الطيبة, مما جعلها تتحدث براحة ودون تحفظ
    تنهدت بأسى وهى تسترجع تلك المشاهد المؤلمة فى ذاكرتها قائلة : لا أدرى كيف بدأ الأمر؟ ولأى سبب تسال كل تلك الدماء؟
    أمن أجل امرأة ترتدى الإيشارب يقتل كل هؤلاء البشر؟
    ألم يكن من الأسهل أن تخلعه بهدوء ويمر الأمر بسلام؟

    قال الذئب بلهجة صارمة : المشكلة ليست فى الحجاب, لو لم تكن تلك المرأة ترتدى حجابا لبحثوا عن الف وسيلة أخرى لإذلالنا واهانة مقدساتنا

    نظرت اليها الأم وقالت بهدوء : يا بنيتى, الأمر ليس مجرد غطاء تضعه المرأة على رأسها, بل هو عقيدة فى صميم ديننا, وهم يفهمون ذلك جيدا
    إنها حرب على الإسلام

    هتف الفتى آدم : هذا ليس موقفا فرديا, أو مصادفة, بل هى سياسة منظمة ومتعمدة

    قرأت تصريحا للرئيس الروسى يقول فيه : (إني أحارب عدوي الإسلام حتى لا تفشوا وتتجاوز إلى آخرين .) كما قال في تصريح آخر : (إننا سوف نقضي على الإرهابيين في داغستان والشيشان ثم نحول الباقين إلى النصرانية .)

    أجابه الذئب : الرئيس الروسي لا هم له الا اصدار التصريحات التي يزايد فيها على تصريحات الرئيس الأمريكى، حين أعلن أن البلدين معًا في وجه "الإرهاب الإسلامي، أو الإرهاب الذي يشجع عليه الإسلام".أو الإسلام الفاشى كما يطلق عليه

    قالت الأم والأسى يغمر كلماتها : يريدوننا عبيداً وخدماً لهم ويريدون أراضينا مرتعاً خصيباً لهم؟ ذلك المعنى ثابت ومترسخ فى العقلية الروسية, يتوارثونه جيل بعد جيل

    قالت كاترين بألم : ولكن ماحدث هناك كان فظيع
    قتل عدد كبير بلا ذنب ولا جريرة, وأسر عدد أكبر, يعلم الله الى أين أخذوهم ولا ماذا يفعلون بهم الآن

    آدم بانفعال : لقد اعتدنا ذلك, القتل والخطف عند حواجز التفتيش يحدث بصورة كبيرة ومتكررة حتى أننا نصدق أنها عملية مدبرة ومقصودة
    لقد استشهد أخى محمد عند أحد حواجز التفتيش, وبنفس الطريقة, ولسبب تافه للغاية

    أكمل والغضب يقطر من كلماته : قوات الأمن تعتبر كل شيشاني إرهابيًّا، وتقتل المدنيين بلا حساب، مما اضطر رئيس وزرائهم إلى القول: (إن هذه العمليات ضد الإرهاب لا يمكن تفادي وقوع ضحايا مدنيين فيها.)

    ومع ازدياد الوضع سوءاً, وكثرة أعداد القتلى والأسرى بدأ يظهر بوضوح الدور الإجرامي لهذه القوات،

    خصوصًا ما يتعلق بالرشاوى، فالمواطن الذي لديه وثائق يدفع 200 روبل رشوة حتى يمر،

    والذي لا يملك وثائق قد يدفع قرابة ألف روبل حتى يتم الإفراج عنه،

    إضافة إلى أعمال السلب والنهب والقتل، وهذا ما دفع "فيكتوركازينوف" موفد الكرملين أن يقول : "هناك جرائم ترتكب عند نقاط التفتيش، ويجب أن نعتذر عنها، ونطلب الصفح ممن جرت بحقهم".

    أما وزير الداخلية الروسي فهو يعتبرالعمليات -على قسوتها- ضرورية، بل وتمت بصورة قانونية.

    وساند الكرملين وزير الداخلية عدة مرات:

    الأولى حين رفض الكرملين طلبًا للبرلمان بفرض حالة الطوارئ على الشيشان، والتي تسمح بتطبيق القانون العسكري على أي مخالفات تقع من الجنود والضباط الروس،

    والثانية حين رفض السماح للسفير الأمريكي في روسيا بزيارة الإقليم، كما رفض السماح لمنظمات وجمعيات حقوق الإنسان بالتواجد. وأغلق في وجهها الحدود، ومنعها من الاقتراب من الواقع المأساوي في الشيشان

    لقدأصمَّت روسيا أذنها عن صرخات جماعات حقوق الإنسان،

    قالت الأم بسخرية مريرة : مع ما تفعله بنا السلطات الروسية من عمليات التعذيب والاختطاف والاحتجاز السري للمدنيين. فلا حقوق لأى انسان,
    هذا ان بقى على قيد الحياة

    آدم : "الاغتصابات والتعذيب وأحكام الإعدام التي تنفذها القوات الروسية خارج سلطة المحكمة، تحدث هنا تقريبا بشكل يومي "،وكالة الأنباء الفرنسية

    لذا فالجميع هنا فى حالة من الرعب جعلتهم لا يستطيعون حتى مساعدة جيرانهم, الأمر أسوأ بكثيرمن الحرب، وبإمكانك أن تسألى أي فرد هنا،
    الجميع يرتعد خوفا.

    قالت كاترين بعد أن أصبح الوضع شديد الوضوح بالنسبة لها : ولهذا لم يرتاحوا لوجودنا بوصفنا صحفيين عند حاجز التفتيش, لا شك فى أنهم يخشون أن نفضح ممارساتهم وأفعالهم اللاانسانية
    يريدون غلق الحدود، ومنع تسريب أخبار عن ممارساتهم في الشيشان سوى ما يمليه الروس فقط على الإعلام

    الذئب : "لقد وضع رئيس الوزراء هدفه من الحملة على الشيشان، وهو، باختصار، أن تختفي الشيشان من الصفحات الأولى للصحف"

    ونجحت الماكينة الإعلامية الروسية الى حد بعيد في تشويه صورة الشيشانيين في عيون الرأي العام الروسي، وبفضل خطتها الإعلامية المحكمة التي تقوم على التعتيم والانتقاء في البث والنشر خففت -إلى حد كبير- من الضغط الشعبى الداخلي على الكرملين، كما تمكنوا من منع وصول الحقيقة إلى الرأي العام العالمي،

    وتحولت القضية من قضية شعب يبحث عن الاستقلال إلى شعب إرهابي بأكمله.

    ترددت كاترين طويلا قبل أن تقول: أرجو ألا تسيئوا فهمى..
    ولكنى أتساءل, ما جدوى المقاومة، والعمليات المسلحة وهل تستطيع بلد صغير كبلدكم الصمود أمام الدب الروسى العملاق بكل عتاده وما يتلقاه من دعم خارجى وداخلى,

    هل النضال ضد المحتل حقا مُجدٍ أم أنه مجرد انتحار كما يرى البعض؟

    تخلل صوت الذئب العميق أذنيها وشعرت وكأنه يتسلل الى خلاياها : لولا هذا النضال لكانت قضية الشيشان عنوانًا كبيرًا في الصفحة الأخيرة –صفحة الوفيات- بدلاً من بقائها عنوانًا –ولو صغيرًا- على الصفحات الأولى.

    الحرب ليست عسكرية فقط، بل إعلامية بالدرجة الأولى، ورغم محدودية إمكاناتنا فقد بقيت القضية حية حتى الآن.

    ان صمود الشعب الشيشاني وتماسكه، وصمود مقاومته -والأهم من ذلك كله عدم استجابته لما تريد روسيا فرضه علينا- كل ذلك ساهم في إحياء القضية إعلاميًّا مرة أخرى،

    التفت الجميع عندما سمعوا صوتا عجوزا واهن يتنحنح

    لقد انضم الجد الكبير أخيرا للحوار, مال قليلا للأمام وبدا وكأنه يحكى عمرا طويلا, وسنينا غابرة : الحرب بين الروس والشيشان ليست وليدة ، بل هي قديمة, قد مضى عليها أكثر من أربع مائة سنة ، حدثت فيها مذابح كثيرة للشيشان على أيدي الروس ، وتهجير الشعب الشيشاني إلى سيبيريا وكازاخستان بأمر من الطاغية ستالين ، حيث قتل من البرد الأعداد الكبيرة ، وكذلك حروبهم الماضية ضد الشعب الشيشاني .

    أعوام كثيرة مضت, لاهى بالقريبة ولا بالبعيدة

    سنوات عايشت تفصيلاتها وأحداثها وتجرعت آلامها ومرارتها قطرة قطرة

    أهوال وعذابات يعجز أعظم المؤلفين عن مجرد وصفها

    حكايات وأحداث كان بطلها الأوحد هو الموت, فقط الموت

    تنهد بعمق, وابتلع ريقه بصعوبة وكأنما يتجرع مرارات أعوام طوال بعدد سنوات عمره الكثيرة وبدأ يحكى بصوت حزين : من أزمان بعيدة وهم لا يحملون لنا سوى الكراهية والغدر والقتل

    واذا ما حاولوا التقرب الينا فهذا لا يكون الا بهدف مصالحهم الخاصة ليجعلوا منا سلما يصعدون عليه ليصلوا لأهدافهم

    حدث في عهد روسيا الشيوعيّة بعدما أطيح بالقيصريّة الروسيّة على أيدي الحركةالإشتراكيّة الشيوعيّة بزعامة لينين عام 1917م،

    اتبع لينين إستراتيجية قذرة ليكسب التأييد العام، فقام بإلقاء خطب تنادي بحريّة الأقليّات التي اضطهدها القياصرة،

    وأصدر وعودًا لهذه الأقليات بالانفصال والاستقلال وبالحريّة الدينيّة، بل قام شخصيّا بتسليم مصحف عثمان - رضي الله عنه- الذي كان بحوزة القياصرة ومجموعة منالوثائق الإسلاميّة والتاريخيّة الهامّة.

    ومن هنا بدأت جمهوريّات إسلاميّة بالاستقلال بمباركة لينين نفسه،

    ولكن كل ذلك كان يدار بخسة وغدر شديدين، فبعدما بدأت آثار قوّة النظام الجديد بالظهور أمر لينين بالزحف نحو البلاد الإسلاميّة دون سابق إنذار، ليبدأ المسلسل الجديد لإبادة المسلمين بشكل أبشع وأقذر ممّا كان عليه في العهد القيصريّ الروسيّ بمرات عديدة.

    إنّه عصر دمويّ بكل معنى الكلمة، ونقطة حمراء في تاريخ البشريّة من صنع أكبر سفّاحين: ستالين ولينين، لقد تسببوا بقتل الملايين من المسلمين من دون ذنب،

    قتل لينين حوالي 8 مليون نسمة من مسلمي القوقاز،

    وبعد ذلك خلفه ستالين بقتله ما لا يقلّ عن 20مليون نسمة بأبشع الطرق منها:

    مليون، رميًا بالرصاص

    ومليونان من المعارضين، ومليون على أعواد المشانق

    و7 مليون من الريفيين نتيجة التأميم،

    و11 مليون في معسكرات العمل،

    ومليون نتيجة النفي الجماعي ،

    وكان من أحد الشعوبالتي تعرضت لهذا القهر والقتل هم شعب الشيشان.

    لقد واجه الشيشان الاحتلال الشيوعيّ بقوّة، فظهرت ثورات عديدة ضدّ هذا الظلم، منها ثورة (إبراهيم قلدقت) عام 1934م وغيرها الكثير، وكان الشيوعيون يخمدونها بالقوّة وبالمجازر.

    وفي أثناء الحرب العالميّة الثانية زادت أهمية القوقاز حينما قرّر هتلر ضمّها مع أوكرانيا للدولة النازية لتمدّها بالطعام والوقود،
    ولكنّ الشيشان لم تتدخّل بين الفريقين ، وعندماانتهت الحرب أعلنت حكومة ستالين اعتبارها لشعوب الشيشان والأنجوش والقرم (شعوبا خائنة) نتيجة لعدم تدخلهم لصالح الشيوعيين وقت الحرب وزعموا كذبا بأن الشيشان اشتركوا فيصفوف الألمان ، وعليه بدأت في 23 فبراير عام 1944 م

    عمليات الترحيل الجماعي إلى كازاخستان وسيبيريا المتجمدة التي تصل درجة الحرارة فيها إلى- 58 س تحت الصفر.

    تمت عمليات الترحيل بواسطة القاطرات الطويلة البطيئة، و كانت الرحلة تستغرق ثلاثة أسابيع تقريبا في قطارات لم يكن فيها مرافق صحية ولا تدفئة ولا حتى مقاعد،

    الكثير من المعمرين يذكرون هذه الرحلة الشاقة الرهيبة : كنا نتوضأ بالثلج ونصلى ... وربما شاهدت كثيرا منا ملقى على الأرض ميتا قد انكسر ظهره من شدة الصقيع

    الكلاب القطبية كانت تجد فريستها منا فكانت تأكل أحشاء الإنسان وهو يصرخ : أبعدوا الكلب عني، وقد خارت قواه من شدة الجوع والبرد ولايستطيع الهرب ... وأين يهرب هذا المسكين والكلاب كثيرة تهاجم المخيم بشراسة

    ولعدم وجود المرافق الصحية كان البالغون يضغطون على أنفسهم في القطارات ، فمات كثيرون منهم من تمزق المثانة ،

    إلا أن الأطفال لم يكونوا قادرين على ذلك ، مما كان يؤدي إلى تبلل القش الذي فرشت به أرضيات العربات فتنبعث الروائح الكريهة غير المطاقة،

    فيلجأ المهجرون إلى إخراج القش عند توقف القطار، فتتسرب الرياح القارصة داخل القطار.

    أما الحياة في المهجر فكانت صعبة جداً ومليئة بالعقبات والصعوبات،

    كانت درجة الحرارة تتدنى من الصفر بكثير، ومع عدم وجود بيوت وملاجئ للمهجرين

    عام 1957م، أي بعد 13 سنة في المنفى، أعلن الرئيس ( خورتشوف) براءة الشيشان والشعوب الأخرى من التهم التي وجهت ضدهم،

    فسمح لهم بالرجوع إلى بلادهم ، فرجع المعظم إلى ما يقارب من 150 ألف بقوا في كازاخستان وهاجر بعضهم إلى دول أخرى كبلاد الشام والعراق وتركيا

    اتسعت عينا كاترين بشدة وتجمعت دموع غزيرة فى مقلتيها قاومتها بقوة حتى استطاعت التغلب عليها وابت ان تنحدر على خديها
    قالت بصوت متهدج : لا أصدق..أكاد حقا لا أصدق كيف لكم بتحمل كل تلك الأهوال والمصائب؟
    كيف لم تخضعوا فى ظل كل تلك المآسى؟
    كيف تسرى فيكم روح المقاومة حتى الآن؟

    قال آدم بحماس : الشعب الشيشاني لا يعرف الهزيمة ، فكما يسمينا الروس [ الشعب الذي لا يرهب الموت ].
    وكما قيل عنا :" لك أن تكسر ظهورهم ولكن لا تستطيع أن تنال من روحهم المعنوية"
    لقد استشهد أخواى وزوج أختى فى الحرب الأخيرة

    تساءلت كاترين بدهشة عارمة : فقدت ثلاثة من اخوتك ؟
    لم؟ وكيف؟ وأين هى أختك؟

    قالت الأم بأسى : تزوجت من جديد وهاجرت مع زوجها الطبيب مصطحبة طفليها لكي لا ترى وجوه قتلة شعبها.
    وهى الآن تعمل في مخيمات اللاجئين في أنجوشيا

    شردت عينا عمر بعيدا, وقال بصوت حزين : هنا, على هذه الأرض يتكرر هذا المشهد بالعشرات, بل بالمئات

    أعرف أُسرا عديدة فقدت كل أبنائها الاثنين أو الثلاثة أو الخمسة لازالت الشيشان صامدة, تقدم أبناءها ثمنا لدينها وحريتها منذ مئات السنين, وحتى الآن.

    نظرت كاترين الى الأم وقالت بتعاطف كبير : وأنت..لم لم تغادرى؟

    رفعت الأم رأسها وقالت بعزة واباء : لأن أرضنا هاهنا, وسنظل هنا حتى ندفن فيها, لن نتركها لهم

    كاترين بدهشة : مع كل مايحدث لكم؟ وكل هؤلاء القتلى؟
    ألا تشعرون بالخوف؟

    قال الجد بصوت يفيض ايمانا وصدقا : هذا لأن ما نحمله فى قوبنا وما يريدون هم نزعه منا راسخ فينا كرسوخ الجبال فى أرضنا

    قالت الأم بصوت يمتلئ فخرا : انه الإيمان يا ابنتى.. الإيمان

    اشتعل المكان بصوت الذئب يمتلئ برائحة الثأر والإنتقام وعيناه تنضحان بغضب مرعب :

    "الشيشانيون لن يسامحوا أبدا روسيا المجرمة التي تبيد الشعب الشيشاني

    سوف يحاسبون على موت مئات الألوف من الأطفال و النساء الشيشانيات المسنات،

    على التعذيب الوحشي و المعاملة المهينة التي يعاملونا بها

    على المعتقلين في مخيمات الاعتقال الجماعي،

    على المقابر الجماعية الممتلئة بجثث أشخاص قضوا نحبهم من جراءالتعذيب دون ذنب أو جريرة

    على دموع أطفالنا الذين تيتموا،

    على آلام الأمهات اللاتي فقدن أطفالهن, أغلى ما لديهن في الدنيا."

    ارتجف قلب كاترين رعبا وهى تتأمل وجهه الذى احمر غضبا وهو يردف : في الجرائم المرتكبة ضد الله و الإنسانية, لا وجود للزمان ولاالنسيان ولا يُعفى عنها أبدا.

    التفتت كاترين الى الصغير الذى تحول الى تمثال صامت يحدق باتجاه واحد فقط, وكأن الحياة قد خلت حوله الا من الذئب, فلم يعد ينظر الى سواه

    أحست الأم بقلقها على الصغير فوضعت حدا للموقف بقولها : أعتقد أنكم بحاجة الى النوم بعد يومكم الشاق

    اتجهت كاترين مع الصغير الى الغرفة التى أعدتها الأم لهما

    وأخذت تتأمل الغرفة ومحتوياتها, كانت غرفة واسعة مريحة, ومرتبة جيدا وتحوى كل الأثاث الضرورى وسبل الراحة

    أخذت الأم تدور فى الغرفة وتتأكد من ان جهاز التكييف يعمل بشكل جيد, وكذلك الإضاءة

    سألتها كاترين بدهشة : يبدو أن جهاز التكييف لم يعمل من مدة طويلة

    قالت الأم : نعم, فمن وقت طويل لم يأتينا ضيف

    قالت بدهشة : الا تستخدمون تلك الغرفة الا عندما يأتيكم ضيف؟

    الأم : في كل منزل في القرية غرفة مخصوصة للضيف، تسمى "غرفة الضيف"، جاهزة دوما للإستقبال في أي وقت, ولا أحد من أهل البيت يمكنه استخدامها ، إكرام الضيف واحترامه له مكانة عظيمة لدى الشيشانيين, وخاصة فى القرى

    " فالبيت الذي لا يدخله ضيف- لا تدخله البهجة والسرور "، كما يقول المثل الشيشاني

    كاترين بامتنان كبير : لا أدرى ماذا أقول, ولكنى حقا سعيدة للتعرف باناس مثلكم
    أتمنى الا يتسبب وجودنا هنا فى أية مشكلات أو يعرضكم لأية مضايقات

    اقتربت منها الأم وأمسكت بيديها وهى تبتسم مطمئنة وقالت بلهجة حانية : نامى قريرة البال, واطمئنى
    فمن قواعد إكرام الضيف عندنا، الحفاظ على حياته، والدفاع عن كرامته، وحماية ممتلكاته مهما حدث
    ونحن قوم نحب أن نتمسك بتقاليدنا

    التفتت الأم للصغير, فوجدته قد توسد الفراش واستغرق فى نوم عميق

    اقتربت منه وخلعت حذائه بهدوء ووضعت رأسه على الوسادة برفق, وغطته بالأغطية الثقيله

    قالت كاترين براحه : أحمد الله أنه نام أخيرا

    أردفت بأسف كبير : كنت أظنه لن ينام أبدا بعد ما رآه اليوم, لكم أشعر بالألم والشفقة لحاله

    تنهدت الأم بعمق وقالت بحزن : هناك آلاف من الأطفال مثله, بل وأسوأ حالا منه,
    لهم الله, فهو نعم المولى ونعم النصير

    قالت كاترين : هل يمكن أن أتحدث الى زميلى؟

    الأم : بالتأكيد,

    خرج عمر من حجرة الفتى آدم بعد أن نادته الأم بناء على طلب من كاترين

    تركتهما الأم فى بهو البيت واتجهت الى غرفة الجد لتطمئن عليه

    قال الذئب بهدوء : هل تشعرين بالراحة هناك؟

    هزت رأسها وقالت باسمة : بالتأكيد, فالسيدة لا تدخر وسعا لطمأنتى واشعارى بالراحة

    قالت بعجب : هل كل العائلات الشيشانية بتلك الحفاوة؟

    قال بتأكيد : كما تقول الأساطير، وُلِد الشيشاني و قطعة حديد في إحدى يديه- رمز المحارب، وقطعة جبن في اليد الأخرى- رمز إكرام الضيف.

    قالت متعجبة : لم يسألونا أى سؤال, لم أتينا, أو من نحن!

    قال بهدوء : خلال الأيام الثلاثة الأولى من غير اللائق أن يٌسأل الضيف أي سؤال,فالضيف لدينا يعيش في البيت كعضو شرف بين العائله.

    تنهدت وقالت : أظن أنك تشعر بالراحة هنا فآدم فتى لطيف, أليس كذلك؟

    شرد قليلا وقال : نعم, يذكرنى بشخص ما


    قالت بعد تردد : أود أن أقول لك شئ, عليك أن تكون أكثر حرصا فى اظهار مشاعرك السلبية تجاه الروس أمام الصغير
    فكما أخبرتك, هو ينظر اليك كمثل أعلى, ويراقب كل حركاتك وتصرفاتك, ويتوحد مع مشاعرك أيا كانت

    التفت اليها وقال بهدوء يشع بالغضب العارم المعربد فى أعماقه : أتظنى أنه ينتظرنى لأعلمه كيف يكره قتلة أهله وشعبه؟

    لم لا تسألينه عن أمه المعتقلة فى جروزنى؟

    لم لاتسألينه أين أباه الآن هل فى إحدى المعتقلات يتجرع العذاب ألوانا بأحط الطرق وأشنعها على الإطلاق

    أم رحمه الله بالإستشهاد فى مقبرة جماعية لم تكتشف حتى الآن

    لم لاتسألينه عن أهله, وماذا يفعلون فى المستشفى الجنوبى؟

    كم منهم لايزال على قيد الحياة

    وكم منهم استشهد متأثرا بجراحه من جراء القصف الروسى؟

    وكم منهم فقدوا أعضاءهم أو أصيبوا بعاهات لن يبرأوا منها مدى الحياة؟

    لم لاتسألينه أين بيته؟

    وهل لازال هناك منه بقايا؟ أم محى من الوجود؟

    الروس لاينتظرون منا أن نعلم أولادنا كراهيتهم, فهم يقومون بهذا الدور ببراعة منقطعة النظير

    وفى كل الأحوال, نحن الخاسرون, يخسر أبناءنا سلامهم النفسى, ويعيشون ما أراد لهم الله البقاء معاقين نفسيا, يحملون أمراضا لا شفاء منها

    ظلت تتأمله وهو يتحدث, وعينيها تتسع بتأثر كبير, وعجز جفناها عن حمل كل هذا القدر من الدموع, فتركتها تنسكب على خديها
    ظلت صامتة لفترة, حتى وجدت أخيرا ما تقوله : اذا فقضية السلام, قضية خاسرة؟

    عقد حاجبيه بشدة وقال بنفس صوته الهادئ الذى يحمل الغضب الكثير : هناك حكمة شيشانية تقول (من لاينشد السلام, يقع فى الحرب)
    وجهت السؤال الى الجانب الخاطئ, عليك أن تسأليهم هم, هل يريدون السلام؟

    قالت بتعاطف كبير : لقد عانيت كثيرا, أليس كذلك؟

    قال مؤكدا : كأى انسان يحيا على هذه الأرض, ويسكن تلك الجبال, يسعى الى الحرية ويرفض أن يترك وطنه للغزاة

    قال منهيا الحوار : والآن عليك الذهاب الى النوم, فغدا أمامنا رحلة شاقة

    اتجه الى باب البيت, فاستوقفته قائلة بدهشة كبيرة : الى أين فى هذه الساعة المتأخرة؟ والجو شديد البرودة

    قال وهو يفتح الباب ليخرج : سأتفقد الطريق, لتأمين المكان

    قالت قبل أن يخرج : فقط سؤال أخير

    نظر اليها فقالت بتردد : هل.....هل زوجتك جميله ؟

    شعرت كاترين بالندم وتمنت لو لم تسأله وذلك عندما شاهدت النظرة الحزينة التى هربت من عينيه قبل أن يخرج بسرعة ويغلق الباب خلفه دون أن ينطق بكلمة أخرى

    تنهدت بعاطفة كبيرة وهى تقول بحنان : أيها الوحيد الغريب

    لكم تفتقد أحضان أهلك وأحبتك,

    لكم تشتاق الى دفء بيتك

    و تراب وطنك


    ..........
    (16)

    ذاب الثلج تحت قدميه من وطأة الحرارة المنبعثة من لهيب الحزن والغضب الذى يعربد فى أعماقه, والذكريات تطارده من كل مكان

    عمر .....

    ارتجف قلبه بقوه عندما رأى تلك النظرة الأليمة فى عينى القائد

    كان وجهه يقطر حزنا وأسفا . وعيناه تهربان بعيدا حتى لا تلتقيان بعينى عمر

    ابتلع القائد ريقه وقال بتردد : لقد . لقد قصفوا مخيمات اللآجئين وقوافل المهاجرين

    قاموا بمجزة بشعة لأهلنا المدنيين

    دمروا ثلاث حافلات مدنية محملة بالمهاجرين وقتلوا جميع من فيها من أطفال ونساء وشيوخ

    عمر....أوصيك بالصبر كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم

    احمد الله واسترجع ...فزوجتك....

    من الشهداء

    زلزل جسده ولم يستطع الوقوف على قدميه وكاد جسده يهوى أرضا, لولا أنه استند بكفيه الى سطح مكتب القائد

    سقط رأسه بين كتفيه وأغمض عينيه بقوة وأخذ جسده ينتفض بعنف

    وضع القائد يده فوق كتفه وهو يقول بحزن عميق : أوصيك بالصبر يا عمر

    خرج صوته مشروخا ممزقا من الحزن والغضب : احترقت أشجار الصبر, واستحالت رمادا تذروه الرياح.

    ولن تعود أبدا الا اذا ارتوت من دمائهم

    طال صمته, ثم رفع رأسه, كان وجهه كقطعة من لهب, وتساقطت حبات العرق على جبينه ووجهه برغم برودة الجو

    أطلت من عينيه نظرة ترجف أعتى القلوب صلابة وبحروف انطلقت من بين أسنانه كسهام نارية قال :
    سنشعل الأرض جحيما من تحت أقدامهم,

    لم يتركوا لنا خيارا سوى القتال حتى الشهادة,

    يجب أن نحرر أرضنا مهما كان الثمن

    أغمض عينيه بحزن بالغ وظهرت عاطفة جياشة فى وجهه وهو يكمل : وليرحم الله شهداءنا


    منذ هذه اللحظه ...........

    والمقاومة لا ينطفئ اوارها,

    سنوات عديدة لم تخمد فيها جذوة المقاومة لحظة واحدة

    قاموا خلالها بضربات موجعة للقوات الروسيه وكبدوا الروس خسائر فادحة

    كانت عملياتهم الحربية مضرب المثل فى الدقة والمهارة واعمال الخسائر الكبيرة فى قوات العدو

    كانوا حقا شوكة فى حلوقهم

    وكلما ظن الروس انهم قضوا على المجاهدين, واخمدوا ثورتهم وسيطروا على الشيشان

    خرجوا اليهم من عمق الجبال بعملية جديدة أشد وأنكى, تحطم الروح المعنوية للجنود فى صفوف الجيش الروسى

    استطاعوا أن يوقعوا بالروس شر هزيمة فى مواقع عديدة حتى أن الجنود الروس كانوا يفرون ويخلفون وراءهم أسلحتهم وعتادهم
    ليثبتوا من جديد أن المقاومة لازالت تسرى فى روح ذلك الشعب الأبى, وأن الغازى لا يمكنه أن يتمتع بالنصر لمدة طويلة، حتى ولو بقي قرونًا،
    وهذا ما عبَّر عنه الكاتب الأمريكي "سكوت روبنسون" الذي يكتب لصحيفة الكريستيان ساينس مونيتور- عندما قال:

    "من السهل على روسيا أن تعلن انتصارها في الشيشان، لكن الواقع غير ذلك. وفي الوقت الذي يعلن فيه كبار القادة الروس أنه لم يَعُد هناك متمردون، توافينا الأخبار بعكس ذلك، فهناك اشتباكات وعمليات قتالية وضحايا روس"

    هذه الدولة الصغيرة "المشاكسة" أثبتت دوما بما يتوافر لشعبها من قوة الإرادة ورصيد الإيمان أنها دولة عصية على التطويع , وأن شعبها تتأبى عليه نفسه أن يرضى بتذويب هويته وطمس حضارته الإسلامية العريقة

    وكان الذئب واحدا من أشد القادة بأسا على الأعداء, وأشرسهم على الإطلاق, حتى أكسبته عملياته العسكرية البارعة شهرة واسعة بين شباب المقومة, وجعلت اسمه أمل لكل شاب يتمنى الإلتحاق بكتيبة الذئب

    وكذلك اكتسب شهرة كبيرة بين صفوف الجنود الروس, الا أنها كانت شهرة عكسية تنبع من الكراهية الشديدة والخوف بلا حدود

    فذكره فقط يعنى بأسا شديدا ودماء جنود وضباط مهدرة, وخسائر فادحة فى العدة والعتاد الروسى

    مما جعلهم يطلبون رأسه وبشدة, ورصدت المكافآت الكبيرة لمن يدل على أية معلومات تقودهم الى الذئب, أو حتى تكشف عن شخصيتة الحقيقية الغامضة, التى لا يعرفون عنها شئ

    وباءت كل محاولاتهم للوصول اليه بالفشل

    وكلما حاولوا الوصول اليه, فاجأهم بعملية جديدة تهز صفوفهم وتقوض أحلامهم بالقضاء على الذئب, أو حتى التوصل الى أية معلومات تقود اليه

    صار أسطورة وأمل وقدوة لكل شباب المجاهدين

    صار رعب وخزى وهزيمة فى نفوس أعدائه,

    صار علامة استفهام كبيرة بعد سؤال بسيط, لا يحتمل سوى اجابة بسيطة : من هو الذئب؟

    هو ذلك الإنسان الوحيد الغريب المتألم, المحترق الفؤاد لفقد أغلى الأحباب

    ذلك الإنسان الذى يحيا فقط ليصنع لنفسه موتة كريمة, ويبنى لنفسه قبرا فى أرض حرة

    ذلك الإنسان الذى كل أمله فى الحياة أن ينال شهادة تحمله ليحيا مع من يحب فى عالم لايعرف الظلم أو الغدر أو الخيانة

    ذلك الإنسان الذى لايرضى سوى بالإسلام دينا مهما بذل من تضحيات, ومهما فقد كل غال


    ----------------------------------------------------------------------


    ألقى عمر برأسه على الوسادة, خائر القوى بعد المجهود الذى بذله طوال اليوم, والسير الذى أضناه طوال الليل, حتى أنه لم يدخل الى غرفة آدم الا بعد أن صلى الفجر,

    وظن أنه لن يستطيع النوم كعادته كل ليلة, ولكنه نام بالفعل

    وكان نومه امتداد آخر لذكرياته وآلآمه ظل يسبح فيها حتى الصباح

    وعندما بدأ يشعر بالحياة من حوله, أحس بشئ ما يستقر بين ذراعيه

    شئ يمتلئ حياة, وتنبعث منه أنفاس تدفئ وجهه

    انتفض مستيقظا, ورفع الغطاء عن رأسه ووجهه ليرى ذلك الشئ الملتصق به

    تأمل ذلك الوجه الملائكى عبر شعاع الضوء القادم من النافذة, وتعجب كثيرا

    كيف استطاع هذا الصغير أن يهرب من كاترين ويدخل الى غرفته دون أن يشعر به أحد, ويختبئ بين أحضانه حتى الصباح؟

    انتبه على صوت طرقات متعجلة على باب الحجرة

    خلص ذراعه برفق من تحت رأس الصغير النائم بعمق, وفتح الباب بسرعة ليجد أمامه كاترين بوجهها القلق

    قالت بسرعة : عفوا اذ أيقظتك ولكن الصغير....

    وضع سبابته على فمه مشيرا اليها لتخفض صوتها, ثم افسح الطريق وأشار بيده الى الصغير النائم فى الفراش

    ولم يكن يتوقع أن تندفع كاترين الى الداخل بسرعة وتقف أمام الفراش تنظر الى الصغير, ثم انحنت تمسح على شعره بحنان وقالت بقلق : يا الهى, لقد أفزعنى حقا, تخيلت أنه رحل وحده

    التفتت الى عمر الذى لايزال متجمدا عند الباب المفتوح

    اتسعت ابتسامتها وهى تقول : انه يحبك, ولا يشعر بالأمان الا فى جوارك.
    لك تأثير عجيب على كل من يقترب منك

    كانت نظرات الإعجاب تشتد من عينيها ثم انقلب الإعجاب فجأة الى ضيق شديد واحباط عندما خفض بصره وأشاح بوجهه الى الحائط متجنبا النظر اليها

    قال بصرامة وهو يهم بمغادرة الحجرة : استعدى,علينا الرحيل فى أسرع وقت

    تناولوا افطارهم, ثم قاموا بتوديع الأسرة الطيبة الكريمة التى استقبلتهم

    وشكرتهم كاترين بامتنان كبير لحسن ضيافتهم

    ولم تنس الأم الطيبة أن تجهز لهم كمية من الطعام ليتزودوا بها فى رحلتهم

    طوال الطريق وكاترين تحاول باستماته جذبه للحديث من جديد

    الا أن صمته هذه المرة كان أشد وأقوى

    وكلما اضطر للكلام كان يرد عليها باجابات مقتضبه للغاية, مما أورثها شعورا بأن سؤالها الأخير الذى سألته اياه هو السبب فى ذلك الجدار السميك الذى بناه حول نفسه

    ترى هل تجاوزت منطقة محرمة لديه؟

    كان السؤال يلح عليها بشدة. لكنها انتبهت فجأة عندما أوقف السيارة وتكلم أخيرا : سأتركك هنا, ادخلى هذه القريه التى أمامك, ستجدى هناك ممثلى اللجان الدولية والصليب الأحمر ومخيمات اللآجئين

    نزلت من السيارة ببطء وقالت بصوت رقيق وهى تبتسم له : أشكرك لكل ما فعلته لأجلى

    لم يرد عليها, بل لم يلتفت اليها

    فانتقلت عيناها تلقائيا الى الصغير ومسحت على شعره وقالت بحنان وهى تنظر فى عينيه الوديعتين : كنت أتمنى أن أظل معك حتى تعود الى أهلك وأطمئن عليك
    أنا متأكدة أنك ستكون فى أمان معه

    قبلت رأس الصغير بحب وتنهدت بعمق وهى تقاوم دمعة تصر على مغادرة جفنيها : وداعا يامن لا أعرف اسمه
    أتمنى حقا أن تعود لأهلك,
    فليرعاك الله

    التفتت الى الذئب قائلة : أتعلم أن هناك تشابه كبير بينكما, أنت أيضا لا أعرف اسمه

    أدركت تماما ان سؤالها الضمنى لن يحظى باجابة سوى صمته المعتاد, لكنها لم تغضب من صمته هذه المرة, بل قالت بصدق :
    سأنشر كل ما سمعته ورأيته ..أعدك أن يصل صوتكم الى العالم

    قال ساخرا دون أن يلتفت اليها : ان كان للعالم آذان . فليس لهم قلوب ..ورغم كل مايفعلوه بنا فسوف نعود وننتزع حريتنا بأنيابنا

    ارتجف قلبها من كلماته وهى تراقبه وهو ينطلق بالسيارة بسرعة, ورحلت عيناها خلفه باعجاب كبير, ثم رفعت احدى حاجبيها لأعلى وهمست بابتسامة كبيرة : أنا واثقة من أننا سنلتقى ثانية

    دخلت القرية وظلت تبحث عن زملائها حتى وجدتهم واستقبلوها بفرحة وترحاب كبير بعد أن ظنوا أنها اختطفت

    وهب المصور المرافق لها من مكانه وهو يهتف بدهشة عارمة : كاترين, أين كنتى؟ وكيف وصلتى الى هنا؟

    قالت وهى تنظر الى مدخل القرية هناك حيث رحل الذئب : لو قلت لك اننى جئت الى هنا فى رعاية ذئب ..ما صدقتنى

    فجأة دب فى أطرافها نشاط غريب وقالت بحماس وهى تتجه بسرعة الى الحمام : أحتاج الى أخذ حمام وتبديل ملابسى بسرعة, فعلى المغادرة الآن

    سألها المصور بدهشة عارمة : الى أين؟
    هل نسيت أن علينا العودة الى الديار غدا؟

    قالت بسرعة : لن أعود, فلم أكمل موضوعى بعد, عليك بتدبير سيارة لنا, سترافقنى الى المستشفى الجنوبى

    قال بذهول : ماذا؟

    التفتت اليه والتمعت عيناها ببريق عجيب : حدسى يخبرنى أن قصة كبيرة بانتظارى هناك


    وصل الذئب الى المستشفى الجنوبى, وهناك قابل مدير المستشفى وحكى له قصة الصغير الذى لم يتكلم كلمة واحدة منذ التقاه

    وكان الطبيب رحيما ومتفهما الى أقصى مدى, فتطوع برعاية الطفل والبحث عن أهله, وأوصى احدى الممرضات باحتضانه ورعايته حتى يعثر على أهله

    شكره عمر كثيرا ورحل

    رحل دون أن يودع الصغير, أو حتى ينظر فى عينيه

    فلم يعد فى قلبه مكان لألم فراق جديد

    لم يعد هناك مكان لحزن, فقد طفح الكيل وزاد

    رحل وحيدا...........

    فعليه العودة الى المجاهدين, الى حياة الجهاد والسلاح, تلك الحياة التى لايعرف غيرها من أعوام بعيدة

    منذ أن فقد كل أحبته, ولم يعد له فى هذه الحياة رفيقا سوى سلاحه

    منذ أن فقد بيته, وأصبحت كهوف الجبال بيتا له

    رحل وحيدا, لايحمل معه شئ سوى ذكرياته,

    وأمل............

    أمل أن يعود يوما الى وطنه ليدفن هناك بين أهله وأحبته الذين رحلوا

    هل يمكن أن يراها مرة أخرى قبل موته؟

    وقف بجوار السيارة, ورفع هامته, وامتد بصره بعيدا عابرا الأميال والمسافات

    هناك, وكأنه يراها, وكأنه يشم عطرها الذى يدفئ قلبه رغم البعد

    قد تمحى جروزني عن الخريطة كما يتمنون ويقولون

    ولكن هل يمحى المعنى!

    الرعب أو الرهب ..

    تلك هى جروزنى

    سميت باسم قيصر روسيا "إيفان الرهيب"

    لم يكن يخطر بباله أن الاسم الذي اختاره لها كان ضده لا له ، فقد كانت دائماً شديدة عليهم

    سنة 1818 أراد الجنرال يرملوف أن يجعل من تلك المدينة أو الحصن آنذاك رمزاً للإرهاب أو الرعب الروسي, حتى لا تستيقظ جذوة الجهاد وروح النضال وحب الحرية في نفوس الشيشانيين على مر الأزمان ..

    يرملوف, عمل الإستراتيجية ذلك الزمان ..

    لكن إستراتيجيتهم الآن,هى محو جروزني عن الخريطة ..

    ولكن...محو غروزني يعني تهجير آلاف المواطنين الشيشان المسلمين من ديارهم..

    قسما من المهجرين سيذوبون في الشعب الروسي, وعندها, علينا كمسلمين محاربتهم انذاك لأنهم معتدون واعداء..

    وقسماً منهم سيذوبون في بقية الشعوب يسهل السيطرة عليها .

    إما بقية العظمى سيلجأون إلى الجبال ويعيشون مع البورز صديقهم الوفي (( البورز أي الذئب )) وعلى مر الأيام والأزمنة ستعاود تلك القبائل الجبلية الشرسة محاربتهم لبني جلدتهم الذين ذابوا في الشعب الروسي.

    وهذا هو الجنون بعينه, ولكنه حدث!

    حدث عبر مئات السنين من الحروب المتواصلة

    يتمنى الروس محو جروزني في التاريخ

    واذا اختفى الرمز هل سيختفي المعنى !

    لقد انقلب المعنى إلى الضد

    فكل لغات العالم تنطق بـ(جروزني)

    أصبحت تلك الكلمة رمزا,ً

    بمعادلة رياضية قلبت معادلات الأرقام في الحسابات العسكرية في العالم لصالح المناضلين ضد إرهاب واستعمار الدول

    جروزني, أو كوكاسيا

    (بوابة آسيا)

    قلب القوقاز

    فطالما اللغات تحمل المعاني, معيدة إلى الذاكرة جروزني .. المخيف , المرعب , الرهيب ..

    فلا تزال بوابة آسيا عصية على الروس

    والمقاومة الشيشانيّة ستستمرّ على الجبال وفي أيّ مكان

    طالما هناك شيشانيّ واحد ينبض قلبه إيمانًا ويدافع عن بلده وعن حريته،

    وإنّ الله ناصر لعباده،

    وسيأتي يوم يندم فيه الروس على غطرستهم.

    لم يدرى كم من الوقت ظل واقفا بجوار سيارته أمام المستشفى

    فقد جرفته ذكرياته وأفكاره بعيدا من جديد

    لكن يدا امتدت اليه لتعيده قسرا الى محيطه الذى لم يغادره سوى بعقله وأفكاره فقط

    أدرك أخيرا أنه لم يرحل بعد

    وعندما استدار ليرى صاحب اليد التى أعادته الى الواقع

    فوجئ بعينى الصغير تتطلعان اليه بتوسل

    ورغما عنه قرأ فيهما تلك الكلمة التى حاول كثيرا تجنبها

    (ابق معى)

    لم يعد الهروب يجدى

    وعليه المواجهة

    نزل على احدى ركبتيه واقترب من الصغير, وتطلع برهة الى عينيه

    لكنه هز رأسه وقال بحسم : لا أستطيع, يجب أن أعود الآن
    انت هنا فى أمان
    اطمئن, سيجدوا أهلك, وستعود الى أحضانهم من جديد

    هب من مكانه بسرعة واتجه الى السيارة وفتح بابها, وهم بالركوب حتى لا يرى دموع الصغير التى تجمعت بغزارة فى عينيه

    أبى..

    تجمد تماما فى مكانه, وعصفت الدهشة بعقله وقلبه

    التفتت ببطء الى الصغير الذى بدأت دموعه فى الهطول, ليسمعه من جديد يردد باصرار : أنت أبى

    لم يدرى مايمكن أن يقوله,

    ولا كيف يتصرف,

    فظل على صمته للحظات,

    حتى نطق أخيرا : أنا...لست.....


    انعقد لسانه وعجز عن النطق,


    واتسعت عيناه بشدة,


    وارتج قلبه بعنف,


    حينما أخرج الصغير من جيبه شئ يعرفه جيدا


    حافظة سوداء صغيرة


    حافظة زهرة


    ومن داخل الحافظة أخرج صورة ضوئية أعادت اليه ذكرياته دفعة واحدة


    صورته مع زهرة

    .................................................


    (17)

    حمله فوق كتفه وانطلق يجرى به بعيدا

    كان الخوف يعبث بقلبه

    لقد عادت اليه الآلام من جديد, وكأنما لم تمر السنون, وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة الأليمة

    لحظة موت مالك

    أول ألم شعر به فى حياته, وأقسى ألم

    وبرغم سيل الآلام التى عاناها عبر حياته القصيرة

    الا أن المرة الأولى تبقى دائما هى الأشد والأقسى على النفس والروح

    ما أشبه اليوم بالبارحة

    أعادت اصابة جوهر الى عقله حادثة استشهاد مالك, وكأنما حدثت الآن

    أخذ يسترجع ماحدث

    لقد تم الهجوم على موقع كتيبته ومحاصرتها فوق الجبل

    لكن جنوده المجاهدين قاتلوا بشراسة واستبسال لفك الحصار

    ونجحوا أخيرا فى دحر الروس الذين تراجعوا تحت وطأة نيران المجاهدين

    وتفقد الذئب رجاله, ليجد جوهر مسجى على الأرض وصدره ينزف بغزارة, وأحمد يحتضن رأسه, ويضع يده على صدره محاولا ايقاف النزيف

    نزل على احدى ركبتيه وقال لأحمد بقلق : كيف حاله؟

    قال أحمد والخوف يملأ عينيه : اصابته شديدة

    نظر الذئب فى وجه جوهر الشاحب, وعقد حاجبيه بقلق

    أحمد : علينا نقله الى المستشفى على الفور

    بدأ الشرود يحتل عقله وهو يستمع الى جوهر بصوته الواهن: لن يجدى, لن يسعفكم الوقت بعد أن دمروا السيارة, والطريق الى المستشفى طويل
    لدى طريق أقرب بكثير

    احتضن السماء بعينيه وقال بابتسامة شاحبة : طريق الجنة

    اعتصر الذئب عينيه بقوة, وهز رأسه, وكأنما يريد ابعاد صورة ما تصر احتلالها

    فتح عينيه ليجد أمامه وجه آخر, وجه يألفه ويحبه كثيرا

    أشاح بوجهه وأغلق عينيه بألم, وهو يحاول باستماته أن يبعد عن عينيه ملامح مالك التى احتلت قسرا وجه جوهر
    مما جعل جوهر يقول بحزن : هل ملامحى قاسية الى هذه الدرجة؟
    رغم كل شئ, كان العمل فى فريقك هو أفضل شئ حدث لى على الإطلاق
    لقد كانت الأيام التى قضيتها بصحبتك من أفضل الأيام التى قضيتها فى حياتى
    لقد علمتنى الكثير ....
    كنت أعلم أنك فى النهاية ستقودنى الى الجنة

    عجز عمر عن تحمل كلمة اخرى

    أخذ نفس عميق, وهز رأسه بقوة, وأجبر نفسه على النظر فى وجه جوهر, وحاول أقصى جهده استعادة ملامحه الأصلية

    فجأة, أطبق بيده على ملابس جوهر وهو يقول بغضب : لازال الوقت مبكرا يا فتى, أتظن أن الوصول الى الجنة بتلك السهولة؟
    عليك أولا أن تدفع مهرها

    رفعه عمر بذراعه وحمله فوق كتفه وجوهر يتأوه

    هتف أحمد بدهشة : الى أين تأخذه؟ الطريق طويل, لن تقدر

    قال بعزم : فعلتها من قبل
    والآن, على أن أحاول من جديد

    ..............................................


    وضع عمر جوهر برفق على المحفة الطبية ذات العجلات, ووقف يراقبه وهو يتجه الى حجرة العمليات, ولكنه مرة أخرى عجز عن النظر فى وجهه عندما تذكر مالك, فابتعد متألما وألقى ببصره الى نافذة قريبة

    وبعد فترة, شعر بيد قوية تربت على كتفه, التفت ببطءالى القائد الكبير الذى قال باعجاب: تبهرنى دائما بأفعالك
    لقد نجحت فى انقاذ حياته

    أغمض عينيه وقال براحة : حمدا لله

    وقف القائد بجواره يتطلع الى الجبال البعيدة عبر النافذة وهو يقول : ما رأيك فى هذا الشاب ؟

    صمت الذئب قليلا ثم قال : يشبه شخصا كنت أعرفه

    ابتسم القائد وقال : لهذا اخترته من بين 50 شابا وأرسلته اليك , كنت أعلم مدى احتياجك لإنسان مثله

    صمت القائد قليلا ثم قال : عمر..لم لا تعود الى بيتك؟
    أستطيع تدبير هوية جديدة لك, كما أن الروس لا يعرفون شخصيتك الحقيقية

    أطرق عمر بحزن ثم رفع رأسه وقال بأسى : ولمن أعود ؟ لقد رحل الأحبة جميعا

    القائد بتعاطف : أتخشى من ألم الذكريات؟

    تنهد بعمق وقال بحنان أبوى : لم أخش عليك يوما من الموت, ولا من الأسر وما يمكن أن يفعله الروس بك ..
    ولكن كل ما أخشاه أن تسحق الأحزان روحك, سيظل الحزن يأكل من قلبك وشبابك حتى يفنيك بأسرع مما تفعل رصاصات الأعداء
    انظر لنفسك يا بنى, انك لم تغادر العشرينات بعد

    أغمض عمر عينيه بألم وقال بصوت يقطر حزنا : لقد كانت تحمل طفلى الأول, لكم تمنيت أن أحمله, أضمه الى قلبى, أسمع بكاءه, ألمس وجهه الصغير وأصابعه الدقيقه

    القائد باشفاق : هون على نفسك يا بنى فلست وحدك المكلوم

    أشار الى الجبال البعيدة وقال : كل من يحيا على هذه الأرض, وفى تلك الجبال, مصاب بجراح قد لا تندمل مدى الحياة
    لكن الحياة لابد وأن تستمر ولابد أن نحياها طالما كتب الله لنا الحياة

    عمر بأسى: لكم دعوت الله أن أموت شهيدا لألتقى بأحبتى .. انتظرت طويلا أن يأتى الموت لكنه لم يأتى

    القائد بعطف : لكن الله كتب لك الحياة فيجب أن تخضع لمشيئته

    صمت قليلا ثم قال : عمر .. لقد رزقك الله الصبر ولكنى أرى أنك بحاجة الى أن ترتقى الى درجة أعلى ..
    أنت بحاجة الى الرضا ..فارض يابنى بما قسمه الله لك وعش حياتك بما يرضى الله حتى يحين أجلك الذى كتبه الله لك ..
    تزوج واعمل وعمر هذه الأرض
    فلا يعقل أن نتركها اليهم ليعمروها ونظل نحيا فى الجبال
    أما ان كنتعاجز عن تحمل الذكريات الأليمه, فلن أكلفك مالاتطيق
    ولكن لدى حل آخر..

    صمت قليلا ثم قال : ما رأيك أن تعود الى مصر؟

    نظر اليه باستنكار وقال بألم : وحدى؟

    القائد : نعم, ربما يشفى جراحك هواءها ونسيمها وذكريات طفولتك وصباك , وربما تجد هناك من تتزوجها وتستطيع أن تخفف من أحزانك

    هز عمر رأسه نفيا ببطء, ومد عينيه الى قمم الجبال البعيدة : لم يعد بامكانى أن أعود الى مصر..
    أصبحت جزءا من هذه الأرض وقطعة من هذه الجبال , كل أحبتى هنا .ان كل ما أتمناه الآن أن أموت وأدفن بجوارهم حتى لا أستوحش فى حياتى وفى قبرى أيضا

    زفر القائد بأسى وقال باشفاق : ما رأيك فى رحلة أخرى؟ زيارة الى بيت الله الحرام؟

    التفت عمر اليه وظهر فى عينيه الحنين وقال : نعم ..نعم ..أتوق الى هذه الزيارة بكل جوارحى

    قال بحزن : لكم تمنيت أن تكون زهرة معى فى هذه الرحلة, لكم تمنت أن ترى بيت الله الحرام بعينيها

    القائد : هون على نفسك يا عمر ..فإنها شهيده

    أغلق عمر عينيه بقوة وقال : ولكنى أشعر بها حولى فى كل مكان, لاترى عينى سواها, ولاتسمع أذنى الا صوتها

    القائد بتعاطف : ارض يابنى, ارض بقضاء الله حتى يرضيك الله
    سأرحل الآن لأدبر لك الرحلة التى اتفقنا عليها, وعندما تعود, سيكون لنا حديث آخر, ربما تصبح أكثر قدرة على تقبل فكرة زوجة جديدة وحياة جديدة

    همس بحنين جارف وهو يعصر عينيه ألما : ولكن قلبى لا يسع سوى زهرة واحدة

    سمع صوتها يشدو فى قلبه : وستظل تحيا فى قلبك ترتوى من حبك لهذه الأرض

    تنهد بعمق وقال : آه يا أحبتى ..كم أشتاق اليكم

    رفع عينيه الى السماء وقال برجاء : رب لا تذرنى فرد

    ARSHTGHOY
    عضو فعال
    عضو فعال

    عدد المساهمات : 99
    نقاط : 153
    تاريخ التسجيل : 26/10/2009
    الموقع : رأس العين

    رد: رواية عودة الذئب الحلقة الاخيرة

    مُساهمة من طرف ARSHTGHOY في الأحد فبراير 07, 2010 8:20 pm

    مشكور وشي
    رواية في غاية الروعة
    بارك الله بك

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 16, 2018 6:10 pm